قراءة تحليلية في تعديلات قانون الضمان الاجتماعي: بين تصحيح المسار ومنع الظلم
راصد الإخباري -
بقلم : الدكتور مالك ابوتايه
يتجدد الجدل مرة أخرى حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، في ظل حديث حكومي واضح عن "أخطاء متراكمة” عبر أكثر من ثلاث حكومات سابقة، كما أشار إليه دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان. وبين الإقرار بوجود خلل يستوجب المعالجة، تبقى الأسئلة الجوهرية مطروحة: كيف نصحح المسار دون المساس بالعدالة؟ وكيف نحمي استدامة الصندوق دون الإضرار بالمشتركين؟
أولاً: بين المسؤولية السياسية والواقع التشريعي
الحديث عن المسؤولية عمّا آلت إليه أوضاع صندوق الضمان أمر مشروع، لكن الأهم في هذه المرحلة ليس تبادل الاتهامات، بل إنتاج معالجات عادلة ومتوازنة. فمجلس الأمة بغرفتيه – مجلس النواب ومجلس الأعيان – يتحمل اليوم مسؤولية تاريخية في التدقيق بكل بند يمس حقوق المواطنين التقاعدية.
ثانياً: عدد الاشتراكات… معالجة متدرجة مقبولة نسبياً
فيما يتعلق بزيادة عدد الاشتراكات، قد يكون هناك وجهة نظر مالية تبرر التعديل من حيث تعزيز الاستدامة، خصوصاً بعد التوجه لتطبيقه بشكل متدرج وبعد أربع سنوات، ما يخفف من أثر الصدمة التشريعية. ورغم التحفظ المبدئي على أي مساس بالحقوق المكتسبة، إلا أن التدرج في التطبيق يُعد نهجاً إصلاحياً أكثر اتزاناً من التطبيق الفوري.
ثالثاً: الإشكالية الأخطر… نسبة الخصم الجديدة
الإشكالية الجوهرية تكمن في آلية احتساب نسبة الخصم الجديدة في التقاعد المبكر، والتي قد تفرز حالات تفاوت صارخ بين مشتركين متساوين في كل الظروف تقريباً.
وللتوضيح، لنتأمل المثال التالي:
•موظفان تم تعيينهما في التاريخ ذاته (1/1/2005).
•يتقاضيان الراتب الخاضع للضمان نفسه.
•الفرق بين تاريخ ميلادهما يوم واحد فقط:
•الأول من مواليد 31/12/1979
•الثاني من مواليد 1/1/1980
وفق آلية الخصم القديمة، يخضع الأول لنسبة خصم تقارب 11%.
أما وفق الآلية الجديدة، فقد تصل نسبة الخصم إلى 42% على الآخر.
النتيجة؟ فارق في الراتب التقاعدي لا يقل عن 31% بين شخصين متطابقين وظيفياً ومالياً، فقط لأن أحدهما وُلد بعد الآخر بيوم واحد.
هذا النوع من التفاوت لا يمكن اعتباره تصحيحاً مالياً بقدر ما يُعد خللاً في مبدأ العدالة التشريعية، إذ إن القاعدة القانونية يجب أن تحقق المساواة بين المراكز القانونية المتماثلة.
رابعاً: المقترح الأكثر اتزاناً
إذا كان لا بد من تعديل نسب الخصم، فإن الحد الأدنى المقبول تشريعياً ومنطقياً هو اعتماد مبدأ التدرج ذاته الذي طُبق على زيادة عدد الاشتراكات.
أي أن:
•لا تُفرض زيادة مفاجئة وكاملة على نسب الخصم.
•يتم توزيع الزيادة على سنوات انتقالية.
•يُحفظ قدر معقول من العدالة بين الأجيال التأمينية.
قد لا يكون هذا الحل مثالياً أو مرضياً للجميع، لكنه بلا شك أقل ضرراً وأكثر انسجاماً مع مبادئ العدالة الاجتماعية.
خاتمة
إن الهدف من أي تعديل في قانون الضمان الاجتماعي يجب أن يكون مزدوجاً: حماية استدامة الصندوق، وصون حقوق المشتركين. وأي معالجة تحقق الاستدامة على حساب العدالة ستُنتج خللاً اجتماعياً جديداً.
ويبقى المطلب الأساس والأكثر عدالة هو الإبقاء على نسب الخصم كما هي دون زيادة. وإن تعذر ذلك، فإن التدرج في تطبيق أي زيادة يمثل الحد الأدنى من الإنصاف الذي ننتظره من مجلس النواب.
فالقوانين العادلة لا تُقاس فقط بقدرتها على سد العجز المالي، بل بقدرتها على حماية المساواة بين المواطنين







