في تصويت تاريخي يعكس تصاعد التوتر
مجلس الشيوخ الأميركي يؤيد العمليات العسكرية على إيران
راصد الإخباري -
واشنطن – في خطوة وصفت بالتاريخية والحاسمة، صوّت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية كبيرة على قرار يدعم العمليات العسكرية الجارية ضد إيران، وذلك في خضم تصعيد غير مسبوق تشهده منطقة الشرق الأوسط عقب سلسلة من الهجمات المتبادلة والضربات الجوية التي استهدفت مواقع استراتيجية داخل العمق الإيراني. وجاء التصويت بأغلبية 78 صوتاً مقابل 18 معارضة، ليمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفويضاً واسعاً لمواصلة العمليات العسكرية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة قد تكون لها تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار الدوليين.
وقد شهدت قاعة المجلس نقاشاً حاداً ومتواصلاً استمر لساعات قبل التصويت، حيث تباينت المواقف بين مؤيد يرى في القرار دعمة للردع الأميركي ورسالة قوية لوكلاء إيران في المنطقة، ومعارض يحذر من الانجرار إلى مستنقع حربي جديد دون تفويض دستوري واضح أو استراتيجية خروج محددة. وأكد السيناتور الجمهوري توم كوتون، أحد أبرز مؤيدي القرار، خلال كلمته أمام المجلس أن "الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب مع إيران، ولكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التهديدات المتكررة والمتصاعدة التي تستهدف مصالحها وقواتها في المنطقة. هذا التصويت هو رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه المساس بأمننا القومي".
ويأتي هذا التصويت بعد خمسة أيام فقط من بدء عملية عسكرية مشتركة أميركية إسرائيلية وصفت بالأوسع منذ سنوات، استهدفت منشآت نووية وصاروخية إيرانية، وأدت وفقاً لتقارير غير مؤكدة إلى مقتل عدد من القيادات البارزة في الحرس الثوري، وسط تضارب كبير حول طبيعة الأهداف التي تم تحقيقها. وقد بررت الإدارة الأميركية هذه العمليات بوجود "تهديد وشيك" كانت تشكله طهران على القوات الأميركية وحلفائها في المنطقة، في حين نفت طهران هذه المزاعم واصفة إياها بـ"الذرائع الواهية" لمهاجمة سيادتها الوطنية.
وفي تطور لافت، كشفت مصادر مطلعة في البنتاغون لرويترز أن التبريرات الرسمية للهجوم شابها تضارب كبير خلال الأيام الماضية، حيث قدم مسؤولون كبار في الإدارة روايات متباينة لأعضاء الكونغرس حول طبيعة التهديد الإيراني ومدى إلحاحه. فقد أكدت المصادر أنه خلال جلسات الإحاطة المغلقة التي عقدت نهاية الأسبوع الماضي، أبلغ مسؤولو البنتاغون الموظفين في الكونغرس بعدم وجود "معلومات استخباراتية محددة" تثبت أن إيران كانت تخطط لشن هجوم وشيك على القوات الأميركية، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع التصريحات العلنية للرئيس ترامب وكبار مستشاريه.
هذا التناقض أثار حفيظة عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الذين عبروا عن قلقهم من انجراف الإدارة نحو حرب جديدة دون تقديم أدلة دامغة على ضرورتها. السيناتور الديمقراطي تيم كين، الذي قاد محاولة سابقة لتقديم قرار يحد من صلاحيات الرئيس في شن الحرب، قال في تصريحات للصحفيين عقب التصويت: "أنا قلق بشدة من أننا ندخل في صراع عسكري طويل الأمد دون أن يكون لدينا فهم واضح للأهداف النهائية أو تكلفة هذه الحرب على الجنود الأميركيين ودافعي الضرائب. التصويت على هذا القرار لا يعني أننا أغلقنا أعيننا عن هذه الأسئلة المصيرية".
ويأتي التأييد الواسع من مجلس الشيوخ في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية، حيث أعلن البنتاغون مساء الثلاثاء عن مقتل ستة جنود أميركيين وإصابة العشرات خلال العمليات العسكرية الأخيرة، في حصيلة هي الأعلى منذ سنوات. كما أفادت مصادر محلية في إيران والعراق وسوريا بسقوط مئات الضحايا المدنيين جراء الغارات الجوية والاشتباكات المسلحة التي امتدت لتطال مناطق واسعة، مما ينذر بكارثة إنسانية وشيكة في حال استمرار التصعيد.
من جانبه، رحب البيت الأبيض بقرار مجلس الشيوخ، واعتبره المتحدث الرسمي باسم الرئاسة تأييداً للإجراءات التي يتخذها الرئيس ترامب لحماية الأمن القومي الأميركي. وأضاف المتحدث في بيان مقتضب أن "الرئيس ملتزم باتخاذ كل الإجراءات الضرورية لردع العدوان الإيراني وحماية المصالح الأميركية، ونرحب بدعم الكونغرس في هذه المهمة الوطنية". غير أن مراقبين يرون أن هذا التأييد قد يكون نصراً سريعاً للإدارة، لكنه يضعها أمام مسؤولية كبيرة لإثبات صحة مقاربتها العسكرية وتقديم استراتيجية واضحة للخروج من الأزمة المتصاعدة.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى ردود الفعل الدولية على هذا التصعيد الخطير، دعت كل من روسيا والصين إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لبحث تطورات الأوضاع في المنطقة ومنع انزلاق الصراع إلى حرب إقليمية واسعة. وحذرت موسكو من أن أي عملية عسكرية ضد إيران "ستكون لها عواقب وخيمة على الأمن والسلم الدوليين"، في حين طالبت بكين جميع الأطراف بممارسة أقصى درجات ضبط النفس والعودة إلى طاولة الحوار.
وتأتي هذه التطورات الدراماتيكية بعد أسبوعين فقط من إعلان ترامب نيته الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض العقوبات المشددة على طهران، في خطوة اعتبرتها الأخيرة "خرقاً فاضحاً" للقانون الدولي ودفعتها إلى تهديدات متبادلة بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي. ومع تجاوز عدد الضحايا المدنيين والعسكريين المئات خلال أيام قليلة، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة التي قد يصعب احتواؤها، خاصة مع تعدد الجبهات وتشابك المصالح الدولية في واحدة من أكثر بؤر العالم توتراً واضطراباً.







