اليوان والدولار: توتر هرمز يثير تساؤلات حول العملات النقدية

{title}
راصد الإخباري -

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول مضيق هرمز، برزت محاولات ايران لربط عبور شحنات الطاقة بالدفع بعملات غير الدولار، وهي خطوة تكتيكية تهدف الى الضغط على مراكز القوى الدولية. وعلى الرغم من ان هذا التوجه لا يمثل حتى الان حرب عملات معلنة، فانه يسلط الضوء على تزايد المساعي الدولية لتقليل الاعتماد على العملة الاميركية في اسواق الطاقة.

يأتي ذلك في وقت يطالب الرئيس الاميركي دونالد ترمب بتحالف دولي لتامين مضيق هرمز، مشككا في استعداد ايران للتفاوض. في حين يبدو باب الدبلوماسية حتى الان مغلقا، مع بداية اليوم السابع عشر من الحرب الاسرائيلية الاميركية على ايران.

بينما نفى وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي اي تحركات حول طلب التفاوض او وقف اطلاق النار، حذر ترمب من ان حلف شمال الاطلسي (ناتو) يواجه مستقبلا سيئا للغاية اذا تقاعس حلفاء الولايات المتحدة في مد يد العون بشان فتح مضيق هرمز. على الرغم من استمرار تل ابيب في ضرب البنية التحتية العسكرية الايرانية حتى كتابة هذه السطور.

تنوع العملات في المعاملات الدولية

يرى رئيس مركز الخليج للابحاث الدكتور عبد العزيز بن صقر ان التحولات في اسواق الطاقة تعكس توجها عالميا اوسع نحو تنوع العملات في المعاملات الدولية. وفي تعليقه لـ«الشرق الاوسط» على المقترح الايراني، يشير بن صقر الى ان هذا التحرك يعبر عن رغبة متزايدة في استكشاف بدائل نقدية في ظل المتغيرات الجيوسياسية، ما يسرع من وتيرة النقاش العالمي حول استقرار العملات المستخدمة في تجارة الطاقة.

يؤكد بن صقر ان هذا التوجه يندرج ضمن مسار اعادة هيكلة تدريجية لنظام المعاملات العالمي، خاصة مع زيادة اعتماد القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين وروسيا على عملاتها الوطنية في اتفاقياتها التجارية الثنائية.

يبين ان انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال العقد الاخير يشير الى تحول تدريجي. ويعكس توجه الدول نحو ادارة المخاطر الجيوسياسية والبحث عن خيارات اقتصادية اكثر مرونة، وهو ما يعد تطورا طبيعيا في هيكل النظام المالي العالمي المتجه نحو التعددية النقدية.

استراتيجيات الصين وروسيا النقدية

في قراءته لدور الصين وروسيا في ذلك، يرى بن صقر ان كلا البلدين يروج لعملته، حيث تعمل الصين على ذلك من خلال مبادرة الحزام والطريق، بينما تعمل روسيا على ذلك من خلال اتفاقيات التجارة الثنائية.

على الجانب الاخر، يرى مدير مركز «فيجن» الدولي للدراسات الاستراتيجية الدكتور سعيد سلام ان تاثير المطالبة الايرانية محدود عمليا على المدى القريب، لكنه يحمل ثقلا رمزيا استراتيجيا طويل الامد.

قال سلام في حديث لـ«الشرق الاوسط» ان التاثير على اسواق الطاقة يزيد التقلبات وعدم اليقين، مع تعقيد الصفقات بسبب نقص سيولة اليوان، اضافة الى ارتفاع التامين البحري وتكاليف النقل بنسبة 20 - 30 في المائة عبر طرق بديلة.

تأثير المطالبة الإيرانية على الأسواق

اوضح ان هذه الخطوة تزيد من حالة عدم اليقين والتقلبات في الاسواق، فبدلا من الاستقرار قد تنشا سوق نفط منقسمة. حيث تدفع كميات محدودة باليوان للصين عبر هرمز، في حين تعاد توجيه الكميات المتبقية عبر طرق بديلة باهظة التكلفة، ما يؤدي الى ارتفاع حاد في اسعار الغاز والاسمدة والمواد الغذائية، وهو ما قد يهدد بدفع الاقتصاديات الاسيوية والاوروبية نحو الركود.

يوضح سلام ان بكين رغم طموحها لتعزيز اليوان تتبنى استراتيجية الموازنة الدقيقة، فهي تقبل صفقات محدودة لتامين وارداتها النفطية، لكنها ترفض اي تصعيد يهدد استقرار المضيق الذي تعبر منه 40 في المائة من وارداتها.

في المقابل، توظف موسكو المقترح الايراني رمزيا ضمن اطار بريكس لاحراج واشنطن وتمويل اجندتها الدفاعية، رغم ان استقرار اسواق الطاقة يظل مصلحة روسية عليا لضمان عوائدها التصديرية.

الضغوط الإيرانية وتأثيرها العالمي

يرى سلام ان هذه الضغوط الايرانية تتجاوز حدود المنطقة لتطول مراكز القوى العالمية. اميركيا، يؤدي الربط باليوان الى اذاكء التضخم ورفع تكاليف الطاقة، ما يضع الاقتصاد الاميركي امام خطر الركود في توقيت سياسي حساس، ويضعف فاعلية سلاسل العقوبات.

اما دوليا، فان صدمة الاسعار الناتجة من اضطراب الامدادات تهدد الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد كاوروبا واليابان، وتخلق واقعا نقديا منقسما يزيد من تكاليف التجارة العالمية، ما يعزز في المحصلة شعورا عاما بتآكل الهيمنة النقدية الاميركية.

يخلص سلام الى ان المطالبة الايرانية تسرع رمزيا من وتيرة التحول عن الدولار وتخلق صدمات سعرية واضحة في الاسواق العالمية، الا ان تاثيرها الفعلي يظل مقيدا بعوائق دبلوماسية وعملية جمة. ويشدد على ان جوهر الازمة يظل في الاغلاق الفعلي للمضيق وليس في شرط العملة بحد ذاته، ومع ذلك يظل الدولار يحتفظ بهيمنته الراسخة على تجارة الطاقة العالمية، رغم ان هذا المشهد يبقى رهنا بالتطورات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة التي قد تغير موازين القوى في الايام المقبلة.