قراءة فرنسية حول الوساطة لبنان واسرائيل: موعد التفاوض لم يحن بعد

{title}
راصد الإخباري -

كشفت مصادر فرنسية أن الزيارة السريعة التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى لبنان وإسرائيل لم تحقق نتائج مباشرة، لكنها أكدت أن ذلك لا يقلل من أهميتها، واصفة إياها بـ«المفيدة». وأوضحت المصادر أن الساعات التي قضاها بارو في البلدين أتاحت له فرصة إيصال مجموعة من الرسائل إلى السلطات اللبنانية والإسرائيلية، خاصة أنه سعى إلى الترويج لخطة تهدف إلى دفع الطرفين، رغم الحرب الدائرة بين حزب الله وإسرائيل، إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة. وأشارت إلى أن الجانب اللبناني وافق على هذا المبدأ، بينما كان الجانب الإسرائيلي يطالب به منذ أشهر.

وفي هذا السياق، بينت مصادر دبلوماسية فرنسية أن هناك «مساحة لإطلاق محادثات غير مسبوقة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية». وأضافت أن بارو نقل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها أن هناك «فرصة تاريخية يجب اغتنامها والسير بها من أجل تسوية دائمة... يفترض بها أن تؤسس إطاراً جديداً للعلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، وأن تتيح وضع حد لحالة الحرب القائمة بينهما منذ عام 1949». وأكدت أن هذا الهدف منصوص عليه في «الورقة» الفرنسية التي تطمح أيضاً إلى «ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وتعبيد الطريق من أجل سلام وأمن ينعم بهما الطرفان».

وبالطبع، أتاحت الزيارة للوزير الفرنسي الفرصة لإعادة تأكيد استعداد باريس لتقديم المساعدة، بما في ذلك الدعم اللوجيستي من خلال استضافة المفاوضات. وأظهرت الزيارة تحسن العلاقات بين باريس وتل أبيب، مما انعكس في اللهجة الفرنسية «المعتدلة» تجاه إسرائيل.

موقف فرنسا من المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية

إلا أن «مساحة المفاوضات» التي تراها باريس لا تبدو قريبة التحقق، على الأقل في الوقت الراهن، ما لم تحدث تطورات تسهل الوصول إليها. وأكدت مصادر فرنسية أن فرنسا نفسها تدرك أن «إسرائيل لا تريد المفاوضات اليوم»، وأن هناك «عوائق» من الجانبين اللبناني والإسرائيلي. وأشارت إلى أن حزب الله يربط بين الحرب التي يخوضها مع إسرائيل وحرب إسرائيل وإيران، بينما ترفض إسرائيل قبول وقف أحادي لإطلاق النار كشرط لخوض المحادثات المباشرة.

وبعبارة أخرى، تريد إسرائيل تكرار ما حدث في غزة من حيث «التفاوض تحت النار»، وهو ما أشار إليه ميشال عيسى، السفير الأميركي لدى لبنان. وخلصت باريس إلى أن «زمن التفاوض لم يحن بعد». ورداً على سؤال حول متى يمكن أن يحين هذا الوقت، ربط الطرف الفرنسي ذلك بالتطورات المتعلقة بتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي اتخذتها السلطات اللبنانية بشأن حزب الله، في إشارة واضحة إلى نزع سلاحه وحصره في قوى الدولة الشرعية. وفي المقابل، تنتظر باريس من إسرائيل، ريثما تحدث تطورات قد لا تأتي قريباً، أمراً رئيسياً، وهو الامتناع عن اجتياح بري واسع النطاق لجنوب لبنان.

وفي هذا السياق، تسوق فرنسا لمجموعة من الحجج، لعل أقواها أن اجتياحاً يعقبه احتلال لمساحات من الأراضي اللبنانية يعتبر خطأً كبيراً. وأكدت أن أولى نتائجه ستكون توفير شرعية جديدة لحزب الله تحت عنوان «مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي»، مما سيساعده على استعادة شعبيته داخل بيئته. إضافة إلى ذلك، فإن عملية عسكرية كبرى ستؤدي إلى نتائج إنسانية كارثية، وهو ما يحدث بالفعل قبل انطلاق عملية كهذه، بالنظر إلى أعداد الضحايا والنازحين والدمار. وخلصت باريس إلى أن إسرائيل سترتكب «خطأً استراتيجياً» في حال حدوث ذلك، وأن تجاربها الاحتلالية في لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم يجب أن تمنعها من تكرار أخطاء الماضي. وأحد العناصر التي ركز عليها بارو في لقائه مع جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، هو تأكيده أن النجاحات التكتيكية العسكرية لن توفر الأمن لإسرائيل إذا لم تكن منخرطة في إطار استراتيجية سياسية ودبلوماسية، مما يعيد الأمر إلى المربع الأول، أي المفاوضات والحل السياسي.

جهود التنسيق الامريكي الفرنسي

على الرغم من أن باريس ترى أن «الشروط غير متوافرة لإطلاق المفاوضات» المباشرة، إلا أن مصادرها تعتقد، في المقابل، أن هناك إمكانية لتجاوز هذه العوائق، وهي تعمل على ذلك بالتعاون والتنسيق مع الجانب الأميركي.

إلا أن الأمور تتعقد عند السؤال عما إذا كانت الإدارة الأميركية، المهتمة بالمفاوضات والساعية إلى تيسيرها، راغبة في «لجم» التصعيد الإسرائيلي في لبنان، الذي يعتبر أحد العناصر الرئيسية التي تعيق التقدم على طريق المفاوضات. ويأتي الجواب بالنفي. فباريس ترى أنه في نظر الإدارة الأميركية، فإن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرباً مشتركة ضد إيران، وأن حرب إسرائيل ضد حزب الله هي جزء منها. كما أن حزب الله هو امتداد للحرس الثوري الإيراني. وبالتالي، فإن واشنطن ليست في وضع يسمح لها بممارسة الضغوط على إسرائيل في الظروف الراهنة.

وبعبارة أخرى، ترى باريس أن إسرائيل تمتلك ضوءاً أخضر من واشنطن لتفعل في لبنان ما تريده، باستثناء ضرب بعض المرافق الحيوية والاستراتيجية كالمطار والمرفأ. وكانت تعتقد سابقاً أن الكهرباء من ضمن المرافق المشمولة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تحترم «التعهد» الأخير، والدليل على ذلك ما نفذته باستهدافها محولاً كهربائياً رئيسياً في بنت جبيل. وهذه المقاربة الأميركية لا تمنع واشنطن من الوقوف إلى جانب جلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات. واستبق الرئيس ترمب أي تقدم في هذا الاتجاه بتعيين صهره جاريد كوشنر ممثلاً له في أي مفاوضات من هذا النوع.

دعم لبنان ومواصلة الحراك الدبلوماسي

تؤكد باريس أن الهدف الأول من زيارة بارو الثنائية كان توفير الدعم للسكان في البلدين، لكن بارو حمل في المقام الأول دعماً للحكومة اللبنانية «الغارقة في مستنقع حرب لم تخترها». وحرص بارو على التعبير عن دعم بلاده للقرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في جلسته الشهيرة يوم 2 مارس الحالي بشأن منع الأنشطة العسكرية لحزب الله ومصادرة السلاح وأيضاً ترحيل إيرانيين إلى بلادهم. وشدد بارو على ضرورة أن تنفذ القرارات الحكومية وأن تنجح السلطات في فرض سيادة الدولة على كل أراضيها إزاء «حزب» ينفذ أجندة خارجية على حساب لبنان.

وختاماً، فإن ما ستسعى إليه فرنسا في الأيام والأسابيع المقبلة يتمثل في مواصلة الحراك الدبلوماسي بالتعاون والتنسيق مع الطرف الأميركي، وممارسة الضغوط للدفع باتجاه المفاوضات المباشرة. بيد أن مشكلة باريس تكمن في أنها تفتقر إلى الأوراق التي تمكنها من التأثير على مسار الأحداث، وأن الرهان على المساندة الأميركية لن يكون بالضرورة رهاناً رابحاً.