ازمة غاز عالمية حادة مع قرب نفاذ الشحنات الخليجية
تواجه سوق الطاقة العالمية منعطفا حاسما، حيث تشير التقارير الى ان الدول المستوردة للغاز الطبيعي المسال ستواجه نقصا حادا في الامدادات خلال الايام العشرة المقبلة. يمثل هذا التاريخ الموعد النهائي لوصول اخر الناقلات التي غادرت الموانئ الخليجية قبل اندلاع العمليات العسكرية واغلاق مضيق هرمز، وفقا لصحيفة فاينانشال تايمز. مع وصول هذه الشحنات المتبقية الى وجهاتها، ستنقطع الصلة تماما بقطر التي تمد العالم بنحو خمس احتياجاته من الغاز، مما يضع الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد امام خيارات صعبة ومكلفة للغاية لتامين احتياجاتها الاساسية.
اضطرت قطر، التي تنتج خمس انتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال، الى وقف صادراتها بعد ان فرضت ايران حصارا على مضيق هرمز عند مدخل الخليج في الايام الاولى من النزاع. منذ ذلك الحين، تكبدت قطر اضرارا جسيمة في محطة راس لفان العملاقة للغاز الطبيعي المسال، التي تعرضت لهجوم صاروخي ايراني هذا الاسبوع، ما ادى الى ارتفاع اسعار الغاز في اسيا واوروبا بشكل حاد.
لكن وفقا لتحليل اجرته شركة الوساطة البحرية المستقلة افينيتي، فان كثيرا من ناقلات الغاز الطبيعي المسال التي حملت حمولتها في قطر والامارات كانت في طريقها الى وجهاتها قبل بدء الحرب. هذا يعني ان بعض العملاء على وشك الشعور باثر انقطاع الامدادات.
تداعيات انقطاع الغاز الخليجي
ستضطر الدول التي تعتمد على الواردات لتشغيل اقتصاداتها الى دفع اسعار باهظة للتنافس على امدادات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وغيرها، او التحول الى انواع وقود اخرى، او اجبار الاسر والشركات على ترشيد الاستهلاك، وفق تقرير فاينانشال تايمز.
وقد فرضت كثير من الدول الاسيوية الفقيرة بالنفط والغاز اجراءات لتجنب النقص، مثل تطبيق نظام العمل اربعة ايام في الاسبوع.
لا تزال شحنة واحدة فقط من الغاز الطبيعي المسال من الخليج من المقرر وصولها الى اسيا، التي تستورد نحو 90 في المائة من انتاج المنطقة، وفقا لبيانات تتبع السفن. كما لا تزال ست شحنات من الغاز الطبيعي المسال من المقرر وصولها الى اوروبا.
باكستان الاكثر تضررا من ازمة الغاز
تعد باكستان اليوم في واجهة الدول الاكثر تضررا وهشاشة امام هذه الازمة، حيث كانت تعتمد في العام الماضي بنسبة تصل الى 99 في المائة على واردات الغاز الطبيعي المسال المقبلة من قطر وحدها. مع اندلاع الصراع، وصلت اخر الشحنات المقبلة من مجمع راس لفان في اليومين الثاني والثالث من الحرب، لتبدا بعدها مرحلة العد التنازلي القاسية، اذ اضطرت محطات الاستيراد في البلاد الى خفض عملياتها الى سدس مستوياتها الطبيعية وسط توقعات بتوقف ضخ الغاز تماما بنهاية الشهر الحالي، وفقا لمصادر مطلعة على الوضع الميداني لفاينانشال تايمز.
يزداد المشهد قتامة مع تصريحات رئيس مجلس ادارة شركة باكستان غاز بورت اقبال احمد، الذي اكد ان احدى المحطتين الرئيسيتين ستنفد تماما من الغاز المخصص للمعالجة خلال الايام القليلة المقبلة، محذرا من حالة جفاف كاملة في الامدادات دون اي رؤية واضحة لموعد وصول شحنات جديدة.
من المفارقات المؤلمة ان اسلام اباد كانت، قبيل الضربات الاميركية والاسرائيلية على ايران، تواجه فائضا في الامدادات، لدرجة انها طلبت من شركتي قطر للطاقة و ايني الايطالية اعادة توجيه عشرات الشحنات التي كانت مجدولة للوصول هذا العام.
ارتفاع اسعار الغاز يعمق ازمة باكستان
مع اندلاع الحرب وانعكاس الاية من الفائض الى العجز الحاد، حاولت شركة الغاز الباكستانية الحكومية استعادة تلك الشحنات او التواصل مع موردين وتجار في عمان واذربيجان وافريقيا واوروبا والولايات المتحدة. الا ان كل تلك الجهود باءت بالفشل نتيجة الاسعار الفلكية التي عرضها الموردون، والتي تجاوزت قدرة الاقتصاد الباكستاني على الاحتمال. فقد تضاعفت اسعار الغاز في اسيا وفق مؤشر بلاتس جي كي ام لتصل الى 23 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، يضاف اليها الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وتامين المسارات الطويلة البديلة، مما جعل الشراء من السوق الفورية خيارا شبه مستحيل لباكستان في ظل ظروفها الراهنة.
اما بنغلاديش، فهي تعيش حالة مشابهة من الهشاشة وان كانت بدرجة اقل حدة بقليل، نظرا لامتلاكها بعض مصادر التوريد من خارج منطقة الخليج. مع ذلك، تجد الحكومة نفسها اليوم في مواجهة عجز مالي خانق يمنعها من سداد الاسعار الجنونية المطلوبة لتامين بدائل للغاز الخليجي المفقود، خصوصا في ظل افتقارها للوقود البديل. وقد دفعت هذه الازمة السلطات الى اتخاذ تدابير قاسية لترشيد الاستهلاك وتقنين توزيع الغاز، وصل صداها الى القطاع التعليمي بقرارات شملت اغلاق الجامعات لمحاولة السيطرة على العجز المتفاقم.
في شرق اسيا، تبرز تايوان من اكبر المتضررين بصفتها من كبار مشتري الغاز الخليجي، حيث تجد نفسها اليوم في مازق ناتج عن استراتيجيتها السابقة بالتحول من الفحم الى الغاز النظيف بالتزامن مع التخلص التدريجي من الطاقة النووية. رغم تحركها السريع لتامين 22 شحنة بديلة فور اندلاع الحرب لضمان استقرار الامدادات حتى نهاية ابريل، فان القلق الحقيقي يكمن في فصل الصيف، حيث يرتفع الطلب على الكهرباء بشكل حاد، مما يضع البلاد امام خطر حدوث نقص حاد في الطاقة اذا استمر اغلاق مضيق هرمز لفترة اطول.
الصين تسعى لتحقيق السيادة الطاقية
تتعامل الصين مع ازمة انقطاع امدادات الخليج من موقع القوة النسبية مقارنة بجيرانها، رغم انها تستورد نحو 30 في المائة من حاجتها من الغاز المسال عبر مضيق هرمز. تعتمد بكين في مواجهة هذا النقص على قاعدة انتاج محلية صلبة، حيث نجحت في رفع وتيرة استخراج الغاز الطبيعي من حقولها الداخلية لتغطي اكثر من نصف استهلاكها الاجمالي. هذا الاكتفاء الذاتي الجزئي يمنح الحكومة الصينية هامش مناورة واسعا، ويجنبها الاضطرار للدخول في سباق محموم على الشحنات الفورية باسعارها الفلكية التي ترهق ميزانيات الدول النامية.
علاوة على ذلك، تستفيد الصين من شبكة انابيب برية عملاقة تربطها بروسيا ودول اسيا الوسطى، وهي مسارات امداد تقع تماما خارج نطاق التوترات البحرية في الخليج العربي. في حال تفاقم العجز، تمتلك بكين خيارا استراتيجيا جاهزا يتمثل في العودة السريعة والواسعة لمحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم، مفضلة تامين استقرار التيار الكهربائي والمصانع على الالتزامات البيئية المؤقتة، مما يجعل اقتصادها الاكثر مرونة في وجه حافة الهاوية التي يواجهها قطاع الغاز العالمي.
اما في اليابان، التي تعد ثاني اكبر مستورد للغاز المسال في العالم، فان الموقف يدار بحذر شديد وضبط دقيق للتكاليف. رغم ان نسبة ضئيلة نسبيا (نحو 6 في المائة) من امدادات الغاز اليابانية تمر عبر مضيق هرمز، فان الحساسية العالية للاقتصاد الياباني تجاه اسعار الطاقة العالمية جعلت الحكومة تسرع في تفعيل بدائل استراتيجية.
اليابان تدرس بدائل لتجاوز ازمة الغاز
وقد برزت الطاقة النووية بوصفها طوق نجاة رئيسيا، حيث تزامن اندلاع الازمة مع اعادة تشغيل عمليات في اكبر محطة نووية في العالم بمحافظة نييغاتا، وهي خطوة وفرت لليابان ملايين الاطنان من الغاز المسال التي كانت ستضطر لشرائها باسعار مضاعفة.
في غضون ذلك، تتبنى شركات المرافق والتجار في اليابان استراتيجية الانتظار والترقب، معتمدين على المخزونات الاستراتيجية التي تم تامينها مسبقا. بدلا من الاندفاع نحو السوق الفورية المشتعلة، بدات اليابان بالفعل في زيادة الاعتماد على محطات الفحم لضمان استمرارية الطاقة باسعار معقولة. هذا التوجه الحذر يهدف الى حماية المستهلكين من تضخم فواتير الكهرباء والحفاظ على استقرار الين الياباني، في انتظار ما ستسفر عنه الايام المقبلة من تطورات في الممرات الملاحية الدولية.
علاوة على القلق اللحظي من توقف الملاحة، تواجه سوق الطاقة العالمية افاقا قاتمة تمتد لسنوات، حيث ترهن عودة الاستقرار بفتح مضيق هرمز من جهة، وبقدرة المنشات الانتاجية على التعافي من جهة اخرى. حتى في حال السماح للسفن بالمرور مجددا، سيبقى المعروض العالمي من الغاز المسال محدودا ومضغوطا بشكل كبير، وذلك نتيجة الاضرار الهيكلية الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية القطرية، والتي اخرجت جزءا اصيلا من الامدادات العالمية عن دائرة الخدمة.
قطر تعلن حالة القوة القاهرة بسبب توقف الانتاج
وقد جاءت تصريحات وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري سعد الكعبي لتعمق هذه المخاوف، حيث كشف عن ان نحو 17 في المائة من طاقة قطر الانتاجية للغاز المسال ستظل متوقفة لفترة تتراوح بين 3 و5 سنوات نتيجة الهجمات التي استهدفت مجمع راس لفان. هذا الانقطاع الطويل الامد يعني ان السوق لن تستعيد توازنها بمجرد انتهاء الصراع العسكري، بل ستعاني من فجوة مزمنة في الامدادات تفرض واقعا جديدا على الدول المستهلكة التي كانت تعتمد على العقود القطرية المستقرة.
في ظل هذه الظروف القسرية، اكد الكعبي ان الدوحة ستجد نفسها مضطرة لاعلان حالة القوة القاهرة على بعض عقود توريد الغاز المسال طويلة الاجل لمدة قد تصل الى 5 سنوات. هذا الاجراء القانوني يعفي المورد من التزاماته التعاقدية بسبب ظروف خارجة عن ارادته، ولكنه يترك المشترين حول العالم في مواجهة مباشرة مع اسواق فورية متقلبة واسعار مرتفعة، مما يعيد صياغة امن الطاقة العالمي ويجعل من البحث عن بدائل دائمة امرا لا مفر منه للاستقرار الاقتصادي.







