صدمة الطاقة: تحديات التضخم ومستقبل اسعار الفائدة

{title}
راصد الإخباري -

يواجه محافظو البنوك المركزية حول العالم مهمة معقدة للغاية، وهي فهم سلوك الشركات والنقابات العمالية والأسر في الوقت الفعلي، لتقدير كيفية تفاعلهم مع أوضاعهم المالية في ظل صدمة طاقة جديدة.

يدرس صناع السياسات خيار رفع اسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، لكن اتخاذ هذه الخطوة يبقى مشروطا بقناعتهم بان ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن الحرب سينتقل الى بقية الاسعار، بما يؤدي الى ترسيخ توقعات تضخم اعلى على مستوى الاقتصاد ككل.

ووفق رويترز، فان التحدي الابرز يكمن في صعوبة قياس هذه التوقعات بدقة، فعلى الرغم من امتلاك البنوك المركزية طيفا واسعا من الادوات، بما في ذلك الاستطلاعات والمؤشرات السوقية والنماذج التحليلية، فان جميعها تعاني من اوجه قصور.

قياس التضخم.. فن التقدير

ومنذ جائحة كوفيد-19، كثفت البنوك المركزية جهودها لتطوير ادوات جديدة تسد فجوات البيانات السلوكية، غير ان قياس توقعات التضخم لا يزال اقرب الى فن قائم على التقدير منه الى علم دقيق.

هذا الغموض قد يدفع صناع السياسات الى رفع سقف الحذر قبل الاقدام على تشديد السياسة النقدية، اذ يفضلون عادة انتظار دلائل اكثر صلابة، لتقليل مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة.

وقال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، ان فهم طريقة تفكير واضعي الاسعار يمثل عنصرا حاسما، مضيفا ان قرار رفع الفائدة سيعتمد على ما اذا كانت توقعات التضخم ستبدا بالفعل في التحرك صعودا، وهو ما لم يتحقق بعد، وفق تقديره.

تحولات في سلوك الشركات والافراد

يتمثل احد ابرز التعقيدات في تغير سلوك الافراد والشركات، ففي عام 2022، ومع محدودية الخبرة في التعامل مع التضخم السريع، كانت عمليات تعديل الاسعار والاجور تتسم بالجمود النسبي.

لكن، وفق ما اشارت اليه ايزابيل شنابل، عضو مجلس ادارة البنك المركزي الاوروبي، فان تجربة التضخم المؤلمة في السنوات الاخيرة جعلت التوقعات اكثر هشاشة، وبالتالي اكثر حساسية لصدمات اسعار الطاقة.

وبالنسبة للشركات، لم يعد تعديل الاسعار حدثا سنويا كما كان قبل الجائحة، بل اصبح اكثر تكرارا، مما يجعل وتيرة التغيير وليس حجمه فقط مؤشرا مهما على تحولات التوقعات.

الادوات التقليدية وقيودها

لطالما اعتمدت البنوك المركزية على الاستطلاعات ومؤشرات السوق لتقدير توقعات التضخم، غير ان هذه الادوات تعاني من قيود واضحة؛ فالاستطلاعات تجرى بوتيرة محدودة ولا تواكب التحولات السريعة، كما ان افاقها الزمنية لا تتماشى دائما مع احتياجات صناع القرار.

اما المؤشرات السوقية، فتتاثر بعلاوات المخاطر التي يطلبها المستثمرون، مما يجعلها تعكس مزيجا من التوقعات الفعلية ومعنويات السوق، وبالتالي تضعف دقتها.

وتكمن اهمية هذه التقديرات في ان المستثمرين باتوا يتوقعون حاليا رفع البنك المركزي الاوروبي لاسعار الفائدة مرتين او ثلاث مرات هذا العام، وبنك انجلترا مرتين، في حين تراجعت توقعات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي خلال عام 2026.

ابتكارات لمواجهة التحديات

لمواجهة هذه التحديات، طورت البنوك المركزية ادوات جديدة، تشمل متابعة توقعات الاجور من خلال اتفاقيات النقابات، واجراء استطلاعات مباشرة مع الشركات، والتواصل مع المديرين التنفيذيين لرصد سلوك التسعير.

كما تراقب وتيرة تغير الاسعار بشكل اكثر دقة، وتعمل على تحسين النماذج الاقتصادية التي اخفقت سابقا في توقع موجة التضخم المرتبطة بالجائحة والحرب في اوكرانيا.

ويعد فهم الفروق بين صدمة التضخم الحالية وتلك التي شهدها العالم قبل اربع سنوات امرا محوريا في رسم السياسات، اذ تختلف الظروف جذريا اليوم.

البيئة الاقتصادية المتغيرة

فاسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، والسياسات المالية اكثر تشددا، وسوق العمل تظهر بوادر تباطؤ، كما ان الاسر لم تعد تمتلك فوائض نقدية كبيرة كما كان الحال خلال الجائحة.

وفي هذا السياق، اشار محافظ بنك انجلترا، اندرو بيلي، الى ان الاقتصاد يدخل هذه المرحلة مع تباطؤ تدريجي في التضخم، وضعف في سوق العمل، ونمو دون امكاناته.

كما تؤكد الشركات، وفق ما تنقله البنوك المركزية، تراجع قدرتها على تمرير زيادات الاسعار، مما يعكس ضعفا في القوة التسعيرية عبر معظم القطاعات.

توازن دقيق ومخاطر محتملة

ورغم الثقة النسبية الحالية في استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل، فان استمرار الحرب وارتفاع اسعار الطاقة قد يؤديان الى تغيير هذا المسار.

فمع ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، مثل الوقود، تزداد احتمالات ترسخ توقعات تضخم اعلى، غير ان توقيت حدوث ذلك يظل غير واضح، مما يترك لصناع السياسات مساحة واسعة للاجتهاد والتقدير.

وفي هذا الاطار، لخص بريموز دولينك، مسؤول السياسات في البنك المركزي الاوروبي، المشهد بالقول: ان علم الاقتصاد، رغم اعتماده على التحليل، لا يخلو بطبيعته من عنصر الحكم الشخصي والتقدير.