تداعيات الحرب على إيران تمتد لقطاع العقارات العالمي

{title}
راصد الإخباري -

امتدت تداعيات الحرب على ايران الى قطاع العقارات في العالم عبر قنوات اكثر تعقيدا، في مقدمتها ارتفاع اسعار الطاقة وتشدد شروط التمويل واتساع علاوات المخاطر وتباطؤ قرارات الاستثمار طويلة الاجل.

اظهرت التقديرات الصادرة عن مؤسسات استثمارية وتصنيف ائتماني ان الاثر الاهم على العقار ياتي من انعكاس الصدمة الجيوسياسية على التضخم واسعار الفائدة والائتمان والسيولة.

ترى شركة "لاسال لادارة الاستثمارات" ان القناة الرئيسية لانتقال الحرب الى العقارات تمر عبر اسواق الطاقة، لان اي اضطراب في الامدادات يرفع التضخم ويؤخر خفض الفائدة ويزيد العائد المطلوب على الاصول طويلة الاجل، وهو ما يضغط على التقييمات العقارية والصفقات الممولة بالدين.

بينت الشركة نقلا عن شركة "كابيتال ايكونوميكس" ان زيادة اسعار النفط بنسبة 10% الى 15% تضيف نحو 0.2 الى 0.3 نقطة مئوية الى التضخم في الاقتصادات المتقدمة، بما يعني ان القطاع العقاري يواجه صدمة غير مباشرة لكن واسعة الانتشار.

تكمن حساسية العقارات لهذه الحرب في ان القطاع يعتمد بدرجة كبيرة على كلفة الاقتراض، سواء بالنسبة الى المشترين الافراد او المطورين او الصناديق العقارية، ففي الولايات المتحدة، اظهت بيانات فريدي ماك ان متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لثلاثين عاما بلغ 6.30% في 16 ابريل، بعد ان كان قد هبط الى 5.98% في 26 فبراير، قبل ان تعود التقلبات الجيوسياسية لرفع العوائد ثم تدفعها الى التذبذب مجددا.

اضافت البيانات ان مبيعات المنازل القائمة في مارس تراجعت بنسبة 3.6% على اساس شهري، في اشارة الى ان الطلب على السكن لا يزال حساسا لاي ارتفاع في التمويل او تراجع في ثقة المستهلك.

تؤكد بيانات موقع "ريلتور دوت كوم" ان السوق الامريكية كانت تتجه بالاساس الى توازن ابطأ قبل الحرب، مع ارتفاع المخزون النشط من المنازل المعروضة للبيع بنسبة 8.1% على اساس سنوي في مارس، وتراجع السعر الوسيط للقوائم السكنية بنسبة 2.2%، بما يعكس تباطؤا في الزخم السعري.

اوضحت البيانات ان اي موجة جديدة من ارتفاع النفط او العوائد قد تؤخر هذا التوازن، لان اثرها لا يقتصر على الرهن العقاري، بل يمتد الى تكاليف المعيشة والطاقة والتامين، وهي عناصر تضغط مباشرة على قدرة الاسر على الشراء.

من زاوية اوسع، لا تبدو الولايات المتحدة في مركز الهشاشة نفسه الذي تواجهه اوروبا او اسيا، بحكم كونها منتجا كبيرا للطاقة، لكن ذلك لا يلغي اثر الحرب على العقارات الامريكية، فشركة "جونز لانغ لاسال" اشارت على لسان رئيسها التنفيذي كريستيان اولبريش الى ان الحرب تغذي عدم اليقين في الاستثمار وتؤثر في قرارات توقيع الايجارات والالتزامات طويلة الاجل، لان المستثمر العقاري يحتاج الى قدر اعلى من وضوح الرؤية قبل ضخ الاموال في مشاريع تتطلب سنوات حتى تنضج.

اما خارج الولايات المتحدة، فتبدو الفوارق اوضح، اذ تشير شركة "لاسال لادارة الاستثمارات" الى ان اوروبا واسيا اكثر تعرضا لصدمة الطاقة بسبب اعتمادها الاكبر على الواردات، في حين توضح بيانات وكالة الطاقة الدولية ان الجزء الاكبر من النفط العابر لمضيق هرمز يتجه الى اسيا، وان اليابان وكوريا الجنوبية من بين اكثر الاقتصادات اعتمادا على هذا المسار.

تقدر الوكالة ان نحو 15 مليون برميل يوميا من الخام، اي نحو 34% من تجارة الخام العالمية، مر عبر المضيق في 2025، بينما تذهب حصة محدودة فقط الى اوروبا مقارنة باسيا، وهذا يعني ان اي اضطراب مطول يرفع كلفة الطاقة في الاقتصادات المستوردة، ويضغط على دخل الاسر وهوامش الشركات، ومن ثم على الطلب العقاري السكني والتجاري.

في اسيا تحديدا، تتخذ المخاطر بعدا مضاعفا، لان الحرب لا ترفع فقط فاتورة الواردات، بل تهدد كذلك سلاسل التوريد والنشاط الصناعي، وهو ما ينعكس على العقارات الصناعية واللوجستية والمكتبية، وليس على السكن وحده.

كما ان الاقتصادات الاكثر اعتمادا على خام الشرق الاوسط قد تجد نفسها امام ضغوط تضخمية جديدة تؤخر التيسير النقدي، وتطيل فترة الفائدة المرتفعة، وهو ما يضغط على التقييمات العقارية ويؤجل الصفقات الكبرى.

في اوروبا، بدات الحرب تضغط على الثقة الاقتصادية الاوسع، اذ هبط مؤشر "زد اي دبليو" لثقة المستثمرين في المانيا في ابريل الى ادنى مستوى له في اكثر من ثلاث سنوات، مع تصاعد المخاوف من نقص الطاقة وارتفاع كلف الانتاج.

رغم ان هذا المؤشر لا يقيس العقار مباشرة، فانه مهم لان تراجع الثقة وتزايد المخاطر الصناعية والمالية ينتقل عادة الى قرارات الاستثمار العقاري، خصوصا في القطاعات التجارية والمكتبية واللوجستية المرتبطة بدورة الاعمال.

عربيا يختلف المشهد، اذ لا تاتي المخاطر في دول الخليج من ارتفاع الطاقة، لان الدول المنتجة قد تستفيد ماليا من صعود الاسعار، بل من اعادة تقييم المستثمرين لمفهوم "الملاذ الامن" في المنطقة، وقد وصفت رويترز السوق العقارية الاماراتية بانها تواجه اول اختبار حقيقي بعد سنوات من الطفرة، مع تزايد القلق من اعتماد دبي وابوظبي على التدفقات الراسمالية الخارجية في دعم نشاط التطوير العقاري.

كما حذر تقرير وكالة فيتش من ان التمويل العقاري التجاري قد يصبح المصدر الابرز لتدهور جودة الاصول لدى البنوك الاماراتية في السيناريو السلبي، مشيرا الى ان العقار التجاري شكل 13% من اجمالي القروض بنهاية 2025، مع تركزات اعلى لدى بعض البنوك.

ترى فيتش ان تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع السياحة وضعف نمو السكان قد يفرض ضغوطا على العقارات السكنية والتجارية في الامارات، فوق التصحيح السعري الذي كانت تتوقعه الوكالة قبل الحرب، كما ترى ان انخفاض احجام الاعمال وارتفاع المخصصات وتآكل بعض هوامش راس المال قد يحول العقار من محرك للنمو الى نقطة ضغط على ميزانيات البنوك، اذا طال امد الصراع او اتسعت آثاره الاقليمية.

في مقابل هذا المسار الضاغط، لا تعني الحرب بالضرورة انهيارا عقاريا عاما، اذ ترى شركة "لاسال" ان العقار مقارنة ببعض الاصول المالية الاسمية كونه يمتلك القدرة على تعويض ارتفاع الاسعار من خلال زيادة الايرادات، سواء عبر عقود الايجار او عبر ارتفاع كلفة الاحلال، بما يساعد على حماية العائد الحقيقي بمرور الوقت، لكنها تشدد في الوقت نفسه على ان ذلك لا يلغي ضرورة اختبار المحافظ العقارية على سيناريوهات اعلى للفائدة واوسع لعلاوات المخاطر واطول زمنا لاضطراب الطاقة.

وفي حديث للجزيرة نت، يرى استاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري ان تداعيات الحرب على العقارات العالمية ستكون متفاوتة من منطقة الى اخرى، لان العلاقة الاساسية تمر عبر الفائدة والطاقة والنمو.

يشير الساري الى ان اوروبا والولايات المتحدة تواجهان معضلة واضحة تتمثل في ان ارتفاع اسعار الطاقة يرفع التضخم ويضعف فرص خفض الفائدة، مما يزيد كلفة التمويل العقاري ويضغط على الطلب.

في الدول العربية غير النفطية، يظهر الاثر من خلال تدهور القدرة الشرائية وتفاقم اعباء الموازنات والمديونية، وهو ما ينعكس سلبا على شراء المساكن والاستثمار العقاري.

يضيف الساري ان دول الخليج تواجه نوعا مختلفا من المخاطر، لا يرتبط فقط بالفائدة او اسعار الطاقة، بل بثقة المستثمرين الاجانب وامكانية احجام بعضهم عن ضخ اموال جديدة او حتى اعادة توجيه استثماراتهم مؤقتا الى وجهات اقل توترا.

برايه، فان هذا الضغط قد يكون اشد وضوحا في الامارات بحكم الوزن الكبير لراس المال الاجنبي في سوقها العقارية، لكنه يظل اثرا ظرفيا وليس بالضرورة مسارا دائما، لان عودة الاستقرار السياسي والامني قد تعيد التدفقات من جديد.

كما يربط الساري بين العقار الاسيوي والحرب عبر قناة النمو العالمي، موضحا ان الاقتصادات الاسيوية حتى لو امتلك بعضها مخزونات نفطية او هوامش مالية تبقى معرضة لتباطؤ اوسع اذا استمرت صدمة الطاقة واختنقت التجارة وارتفعت تكاليف الانتاج والنقل، وهذا من شانه ان يفاقم الضغوط على الطلب العقاري، خاصة في الاسواق التي تعاني اصلا من هشاشة في القطاع العقاري او من تباطؤ في التصدير والنشاط الصناعي.