اسيا تواجه تصاعد تداعيات ازمة الطاقة مع استمرار الحرب
تواجه حكومات آسيا، التي تعد من أكبر مناطق استيراد النفط في العالم، تحديات متزايدة في إيجاد بدائل لحماية اقتصاداتها من التداعيات السلبية لأزمة الطاقة التي تفاقمت بسبب الحرب الدائرة، حيث تتصاعد التكلفة بشكل ملحوظ.
أدى هذا الاضطراب إلى دفع "بنك التنمية الآسيوي" لخفض توقعاته للنمو في الدول النامية بآسيا والمحيط الهادئ إلى 4.7 في المائة لهذا العام و4.8 في المائة في عام 2027، بعد أن كانت التوقعات السابقة 5.1 في المائة لكلا العامين، كما رفع البنك توقعاته للتضخم إلى 5.2 في المائة لهذا العام.
أشارت مؤسسة "كبلر" المتخصصة في بيانات الشحن والتجارة، إلى أن واردات النفط الإجمالية إلى آسيا، والتي تستحوذ على 85 في المائة من شحنات النفط الخام من الخليج، انخفضت بنسبة 30 في المائة خلال شهر ابريل الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ اكتوبر 2015، وذلك بعد شهرين من الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يعد ممرًا ضيقًا رئيسيًا لعبور 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية.
تتزايد الضغوط المالية في جميع أنحاء المنطقة، وخاصة في جنوب آسيا، حيث تنفق الحكومات مليارات الدولارات على الدعم وإعفاءات رسوم الاستيراد لتعويض ذلك.
قالت هانا لوتشنيكافا شورش من مؤسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس": "إن خط الدفاع الأول يتمثل في أن الحكومات قررت استيعاب الصدمة الأولية، إما عن طريق تقديم الدعم وإما عبر خفض الرسوم الجمركية على منتجات الوقود".
حافظ قطاع التكرير، الذي تهيمن عليه الدولة في الهند، على استقرار أسعار الوقود على الرغم من ارتفاع تكاليف النفط الخام، مما أدى إلى خسارة تقدر بنحو 100 روبية (1.06 دولار) للتر الديزل و20 روبية للتر البنزين، إلا أن بعض المحللين يتوقعون ارتفاع الأسعار بعد انتهاء الانتخابات المحلية في شهر ابريل.
اتخذت حكومات عديدة في المنطقة إجراءات للحد من استخدام الوقود أو مكافحة التخزين، في حين قيدت حكومات أخرى الصادرات، وبذلت دول أخرى، بما في ذلك أستراليا، جهودًا دبلوماسية لضمان الإمدادات.
استطاعت الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، حماية نفسها عبر احتياطاتها الضخمة وسلسلة إمدادات الطاقة المتنوعة والقيود المفروضة على تصدير الوقود والأسمدة، على الرغم من أن بكين تمنح استثناءات لبعض المشترين في المنطقة، من أستراليا إلى ميانمار.
على الرغم من لجوء الحكومات إلى استخدام الموارد المالية واحتياطات النقد الأجنبي ومخزونات النفط، قال بنك "غولدمان ساكس" إن الأثر الاقتصادي للحرب على آسيا لم يكن بالسوء المتوقع.
مع ذلك، خفض البنك توقعات النمو لعام 2026 لليابان وبعض دول جنوب شرقي آسيا، ورفع توقعات التضخم بشكل طفيف، وطرح محللو البنك سؤالًا دون إجابة: "إلى أي مدى تعكس المتانة التي ظهرت حتى الآن عوامل هيكلية مقابل انخفاضات غير مستدامة في المخزونات الاحتياطية؟".
انخفضت عملات الأسواق الناشئة في آسيا بأكبر قدر ووصلت إلى أدنى مستوياتها مقابل الدولار مقارنة بنظيراتها العالمية والعملات الأكبر منها في المنطقة، حيث سجل كل من البيزو الفلبيني والروبية الهندية والروبية الإندونيسية مستويات متدنية قياسية.
منذ بداية الحرب في نهاية شهر فبراير الماضي، انخفض البيزو بأكثر من 5 في المائة، والبات التايلاندي والروبية الهندية بأكثر من 3 في المائة لكل منهما، والروبية الإندونيسية بأكثر من 2.5 في المائة.
على النقيض من ذلك، كان اليوان الصيني الأفضل أداء في المنطقة، حيث ارتفع 0.8 في المائة مقابل الدولار، في حين تدخلت اليابان لرفع قيمة الين ليصبح أعلى 0.4 في المائة من مستويات ما قبل الحرب، وانخفض الوون الكوري الجنوبي بنحو 1.1 في المائة.
ذكرت مؤسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس" أن اقتصادات جنوب آسيا، مثل باكستان وبنغلاديش وسريلانكا، هي الأكبر عرضة للأعباء الناجمة عن الأزمة.
على سبيل المثال، طرحت باكستان في الآونة الأخيرة أولى مناقصاتها منذ عام 2023 لشراء الغاز الطبيعي المسال.
تسعى باكستان إلى تعويض الإمدادات التي لم تتمكن من الحصول عليها من قطر، حيث تدفع 18.88 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لشحنة واحدة، أو ما يزيد بنحو 30 مليون دولار على أسعار السوق قبل الحرب.
قالت لوتشنيكافا شورش، رئيسة "وحدة الاقتصاد" في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بمؤسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس": "تستخدم هذه الدول مزيدًا من مواردها في دعم شركات الطاقة العامة المحلية وحماية المستهلكين النهائيين من صدمة أسعار الطاقة"، وأضافت: "هذه هي أيضًا الدول التي تمتلك أقل احتياطات مالية".
ومع ذلك، فقد قالت إن اقتصادات المنطقة في وضع أفضل مما كانت عليه عندما تسبب اندلاع حرب أوكرانيا عام 2022 في أزمة الطاقة السابقة.
تتأثر الاستجابات في أنحاء آسيا وفق ظروف كل دولة على حدة، فعلى سبيل المثال، طلبت إندونيسيا، وهي دولة منتجة للطاقة، من الشركات المشغلة إعطاء الأولوية للسوق المحلية على الصادرات ووقف شحنات الغاز الطبيعي المسال ما لم تكن بموجب عقود.
كما يتطلع أكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية لتعويض واردات النفط من الشرق الأوسط، ويخطط لشراء 150 مليون برميل من روسيا بحلول نهاية العام.
في تايلاند، قال مصدر في شركة تكرير مملوكة للدولة إن الشركة أوقفت شراء النفط الخام مؤقتًا، حيث ارتفعت المخزونات الوطنية من المنتجات المكررة بعد أن زادت المصافي إنتاجها، كما فرضت الحكومة حظرًا على الصادرات.
أضاف المصدر أن القيود المفروضة على استخدام الطاقة وارتفاع الأسعار أديا في الوقت نفسه إلى انخفاض الطلب.
كثفت اليابان، التي تستورد 95 في المائة من احتياجاتها من النفط من الشرق الأوسط، مشترياتها من النفط الأميركي لتدفع بأسعار السوق الفورية التي ارتفعت بشكل حاد بعد بداية الحرب، بالإضافة إلى تكلفة الشحن من الولايات المتحدة، الذي يستغرق مثلي المدة التي يستغرقها الشحن من الخليج.
بدأت اليابان يوم الجمعة سحب 36 مليون برميل من النفط الخام من مخزوناتها، وهذه ثاني مرة تسحب فيها من المخزون منذ بداية الحرب.







