عوائد السندات تتحكم باسعار السلع وقروض المنازل

{title}
راصد الإخباري -

في عالم المال، عندما تعطس بورصة وول ستريت للاسهم، يلتفت الجميع، لكن خلف الستار، يقبع عملاق اكثر هدوءا واشد فتكا يتحكم في حركة الاقتصاد العالمي باكمله، انه سوق السندات.

مؤخرا، ومع اشتعال التوترات الجيوسياسية وحصار مضيق هرمز، قفزت عوائد السندات الاميركية لاجل 30 عاما الى مستوى قياسي بلغ 5.16 في المائة، فلماذا يرتعد المستثمرون من هذا الرقم؟ وكيف تؤثر هذه الارقام الجافة على حياة المواطنين اليومية؟

ما هو السند؟

السند هو باختصار ورقة دين، فعندما تحتاج حكومة (مثل الولايات المتحدة) او شركة كبرى الى تريليونات الدولارات لتمويل مشاريعها او سد عجزها، فانها لا تذهب الى البنك، بل تقترض من الجمهور والمؤسسات الاستثمارية.

فاذا اشترى اي شخص سندا بقيمة 1000 دولار بفائدة 5 في المائة لمدة 10 سنوات، فهذا يعني انه اقرض الحكومة امواله، وفي المقابل ستمنحه 50 دولارا سنويا، وتعيد له الـ1000 دولار كاملة في نهاية المدة، هذه الفائدة السنوية تسمى في السوق العائد.

لماذا تشتعل السندات الان؟

الوقود الاساسي لسوق السندات هو التضخم، فعندما تسببت حرب ايران في حبس امدادات النفط عبر مضيق هرمز وقفز خام برنت فوق 111 دولارا للبرميل، ادرك الجميع ان اسعار كل شيء (من الشحن الى الوقود والغذاء) سترتفع.

هذا التضخم المشتعل يجبر البنوك المركزية على الغاء خطط خفض الفائدة، بل والتلويح برفعها مجددا، وطالما ان الفائدة ستبقى اعلى ولفترة اطول، فان المستثمرين يتخلصون من السندات القديمة ذات الفائدة المنخفضة، ويبدا البيع الكثيف، مما يدفع عوائد السندات الجديدة للقفز الى مستويات غير مسبوقة لتعويض مخاطر التضخم.

ما دخل الفرد؟

ارتفاع عوائد السندات هو بمثابة تاثير الفراشة الذي يضرب ميزانية الفرد الشخصية عبر ثلاثة مسارات:

* قروض المنازل والسيارات: السندات الحكومية هي المسطرة التي تقيس بها البنوك تكلفة الاقراض، وعندما يقفز عائد السندات، تسارع البنوك التجارية لرفع فائدة الرهن العقاري والقروض الشخصية تلقائيا لحماية هوامش ارباحها، مما يعني ان حلم شراء منزل يصبح اكثر كلفة وصعوبة.

* شبح البطالة وتراجع التوظيف: الشركات الكبرى تعتمد على الاقتراض عبر اصدار السندات لتمويل توسعاتها وبناء مصانع جديدة، وعندما تصبح كلفة هذا الدين باهظة، تتجه الادارات التنفيذية فورا لتجميد التوظيف، او تقليص النفقات، مما يهدد استقرار الوظائف.

* ضعف القوة الشرائية: السندات المشتعلة تعني ان التضخم انتصر ولو مؤقتا على خطط البنوك المركزية، وبالتالي ستبقى اسعار السلع الاساسية مرتفعة، وتستمر قيمة الراتب الفعلية في التراجع.

لماذا تصاب اسواق الاسهم بالرعب من صعود السندات؟

العلاقة بين الطرفين تشبه الاواني المستطرقة في السيولة؛ والسبب يعود الى تبخر الاكسجين (السيولة)، ففي الاوقات العادية، يخاطر المستثمر بماله في الاسهم بحثا عن الربح، لكن عندما توفر الحكومة الاميركية عائدا مضمونا بنسبة تتجاوز 5 في المائة دون اي مخاطرة، فان الصناديق الكبرى تسحب اموالها فورا من اسهم التكنولوجيا والشركات الناشئة المتقلبة، وتضعها في السندات الامنة، مما يحرم الاسهم من السيولة ويهبط باسعارها.

في الخلاصة، سوق السندات ليست مجرد شاشات معقدة لخبراء المال في وول ستريت؛ انها ترمومتر تكلفة المال في العالم، وعندما يسجل هذا الترمومتر درجات حرارة قياسية كما يحدث اليوم، فان الرسالة واضحة: عصر الاموال الرخيصة قد انتهى، وعلى الجميع - من الحكومات ذات الديون المليارية الى الاسر التي تبحث عن سكن - الاستعداد لاعادة تسعير قاسية.