حماية وحرية الصحفيين تكشف المشهد العربي بعد الحرب على إيران

{title}
راصد الإخباري -

عُقد يوم أمس الأربعاء الموافق 17 يونيو 2026، أقام مركز حماية وحرية الصحفيين، في العاصمة الأردنية عمان، ملتقىً إعلامياً حشد عدداً من الإعلاميين وأساتذة الجامعات والخبراء وقادة المجتمع المدني، تحت عنوان "المشهد العربي بعد الحرب على إيران"، في جلسة نقاشية مفتوحة أدارها مؤسس المركز ورئيسه نضال منصور، وشهدت نقاشات معمقة حول تداعيات المواجهة الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وما انبثق عنها من متغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية.

واعتبر أستاذ العلاقات الدولية الدكتور حسن البراري، في كلمته خلال الملتقى، أن الحرب الأخيرة على إيران لم تسفر عن منتصر أو مهزوم بصورة حاسمة، بل أفضت إلى ما يمكن وصفه بـ"التعادل الاستراتيجي"، حيث تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية والقدرات العسكرية الإيرانية، غير أن طهران نجحت في إظهار أن الردع الإسرائيلي ليس مطلقاً، وأن الهيمنة الأمريكية في المنطقة لم تعد بالحسم الذي كان يُعتقد سابقاً، موضحاً أن من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن نتائج هذه الحرب، نظراً لأن تداعياتها السياسية والاستراتيجية لم تتبلور بالكامل بعد، وتختلف باختلاف المعيار المستخدم في التقييم.

وفي معرض تقييمه لتداعيات الحرب على الأردن، أكد البراري أن المملكة اتخذت قراراً استراتيجياً صائباً بعدم السماح باستخدام أجوائها أو انتهاك سيادتها من أي طرف من أطراف الحرب، انطلاقاً من أولوية حماية الأمن الوطني والحفاظ على استقلالية القرار السيادي، مشيراً إلى أن أهمية هذا الموقف تتضاعف في ضوء محاولات إيرانية سابقة لجر الأردن إلى دائرة الصراع عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، ضمن استراتيجية تقوم على توسيع نطاق المواجهة وتوزيع كلفها على دول الإقليم، مما جعل حماية المجال الجوي الأردني تعبيراً عن رؤية استراتيجية ترفض تحويل المملكة إلى ساحة أو ممر لصراعات الآخرين، وأضاف أن التحولات الجيوسياسية التي أفرزتها الحرب تفرض على الأردن إعادة تموضعه الاستراتيجي لتعزيز قدرته على مواجهة التهديدات المستقبلية، وفي مقدمتها مخاطر التهجير وإعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية في المنطقة، مما يستوجب توسيع شبكة تحالفاته وتطوير أدواته السياسية والأمنية والدبلوماسية لحماية مصالحه الوطنية، ومنع أي محاولات لفرض حلول إقليمية يكون الأردن من بين الأطراف التي تتحمل كلفتها.

وفي قراءته لموازين الربح والخسارة في الحرب، اعتبر البراري أن إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو كانا الخاسر الاستراتيجي الأكبر في هذه المواجهة، رغم ما تمتلكه إسرائيل من تفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي، وذلك لأن الحرب كشفت حدود القوة الإسرائيلية وأظهرت أن الردع الإسرائيلي لم يعد كما كان يُقدم سابقاً، كما أنها هزت قناعة بعض دول الخليج بقدرة إسرائيل على توفير مظلة أمنية فعالة في مواجهة إيران، وأضاف أن المشاريع الإقليمية التي كانت تقوم على دمج إسرائيل ضمن منظومة أمنية شرق أوسطية تعرضت لاختبار صعب، مما يمثل خسارة استراتيجية لنتنياهو الذي سعى إلى تقديم إسرائيل باعتبارها القوة القادرة على إعادة تشكيل المنطقة وفرض معادلاتها الأمنية، متوقعاً أن تسرع نتائج الحرب من تراجع مكانته السياسية في الداخل الإسرائيلي، في ظل تصاعد الانتقادات لأداء حكومته والحديث عن إخفاقات استراتيجية رغم النجاحات العسكرية التكتيكية.

وحول تداعيات الحرب على دول الخليج، أوضح البراري أن الأزمة أثارت نقاشاً متزايداً داخل الأوساط السياسية والاستراتيجية الخليجية بشأن مستقبل العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، حيث يرى بعضهم أن الوجود العسكري الأمريكي جعل دولاً خليجية أهدافاً مباشرة خلال الأزمة، بينما يعتقد آخرون أن هذا الوجود حال دون تعرضها لأضرار أكبر، مشيراً إلى أن هذا الجدل يعكس اتجاهاً متنامياً نحو البحث عن ترتيبات أمنية أكثر تنوعاً وعدم الاعتماد الكامل على واشنطن، في ظل تباين خليجي حول الدور الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل في أي منظومة أمنية إقليمية مستقبلية، كما اعتبر أن أوروبا كانت من أبرز الخاسرين جراء الأزمة بسبب تأثرها بأسواق الطاقة ومحدودية قدرتها على التأثير في مسار الأحداث، في حين استفادت كل من الصين وروسيا من التطورات استراتيجياً دون الانخراط المباشر في الصراع، مما يعيد رسم خريطة المصالح الدولية في المنطقة.

وعن مستقبل العلاقة بين إيران وحماس، استبعد البراري أن تتخلى طهران عن عقيدة "الدفاع المتقدم" التي تشكل ركناً أساسياً في استراتيجيتها الأمنية، مؤكداً أن العلاقة بين إيران وحماس تقوم على المصالح المتبادلة أكثر من كونها علاقة تبعية كاملة، حيث لا تنظر إيران إلى الفصائل الفلسطينية باعتبارها أدوات تتحرك نيابة عنها، بل كجزء من منظومة ردع إقليمية أوسع، فيما تستفيد حماس من الدعم المالي والعسكري الذي يعزز قدرتها على الصمود والمواجهة، ورجح أن تستمر إيران في دعم حلفائها سياسياً وإعلامياً، إلا أن حجم الدعم المالي والعسكري في المستقبل سيبقى مرتبطاً بقدرتها على تجاوز آثار الحرب وتحسين أوضاعها الاقتصادية ونتائج أي تفاهمات محتملة مع الولايات المتحدة، مؤكداً في ختام حديثه أن الحرب انتهت عسكرياً، لكن تداعياتها السياسية والاستراتيجية ما تزال في بدايتها، وأن مستقبل المنطقة سيتحدد إلى حد كبير وفق طبيعة التفاهمات التي ستنشأ بين واشنطن وطهران خلال المرحلة المقبلة.

ويُذكر أن المنتدى الإعلامي، الذي أطلقه مركز حماية وحرية الصحفيين منذ عام 2000، يشكل منصة حوارية تهدف إلى تعزيز الحوار بين صانعي القرار والصحفيين، وضمان تدفق المعلومات، وإتاحة نقاشات حرة ومستقلة حول القضايا العامة، والإجابة عن الأسئلة الإشكالية التي تشغل الرأي العام، بما يسهم في توسيع المشاركة المجتمعية وتعزيز الحوار العام، فيما يواصل المركز، باعتباره مؤسسة مجتمع مدني رائدة، جهوده في تعزيز حرية الإعلام والدفاع عن حقوق الصحفيين والمساهمة في تطوير الأداء المهني في المملكة والمنطقة.