احتفاءً بيوبيله الذهبي


الدروبي يوثق خمسة عقود من العطاء العلمي لمجمع اللغة

{title}
راصد الإخباري -




قدّم الأستاذ الدكتور سمير الدروبي، عضو المجمع، قراءة توثيقية رصينة ومكثفة لخصت مسيرة مجمع اللغة العربية الأردني الحافلة عبر نصف قرن من الزمان، وذلك في مقال علمي موسع نُشر في العدد الثاني والعشرين من مجلة مجمع اللغة العربية بالشارقة تحت عنوان: "من إنجازات مجمع اللغة العربية الأردني في يوبيله الذهبي".

وفي مستهل مقاله، يعود الدكتور الدروبي إلى الجذور التاريخية لفكرة إنشاء المجمع، التي بدأت مع إنشاء "اللجنة الأردنية للتعريب والترجمة" عام 1961م، برئاسة قدري طوقان، استجابة لتوصيات مؤتمر التعريب الذي عُقد في الرباط، وصولاً إلى صدور الإرادة الملكية السامية بالموافقة على قانون مجمع اللغة العربية الأردني عام 1976م، ليباشر أعماله رسمياً بتاريخ 1/10/1976م، برئاسة الأستاذ الدكتور عبدالكريم خليفة، وعضوية عدد من أعلام اللغة والأدب والعلم والفكر في الأردن.

واستعرض مقال الأستاذ سمير الدروبي مسيرة العمل اللغوي للمجمع من خلال ريادته لحركة تعريب العلوم والتعليم الجامعي؛ إذ سعى إلى التعريب الشامل للعلوم، وكان قراره التاريخي الأول هادفاً إلى ضرورة البدء بترجمة الكتب العلمية المقررة في الجامعات الأردنية، وتكللت جهوده بإصدار اثنين وعشرين مجلداً مترجماً من المقررات الأساسية في علوم الرياضيات، والكيمياء، والجيولوجيا، والفيزياء، والبيولوجيا، والطب، بمشاركة متميزة من أعضاء المجمع وأساتذة الجامعات الأردنية.  

وبين الدروبي أن قضية "المصطلح العلمي" كانت محوراً أساسياً وثابتاً في أعمال المجمع، حيث نجح في جمع ذخيرة مصطلحية وافرة نيفت على ثلاثين ألف مصطلح معرّب وموثق في شتى العلوم الإنسانية والتطبيقية والطبية، جرى مراجعتها وتدقيقها لتوحيدها ونشرها في معاجم متخصصة وضعت بين يدي المؤسسات التعليمية والعلمية والعسكرية داخل المملكة وخارجها.

وفي سياق متصل، أشار الأستاذ سمير الدروبي إلى مجلة المجمع العلمية الفصلية المحكّمة بوصفها منبراً فكرياً بارزاً، إذ حاز المجمع رخصة إصدارها عام 1977 باسم "مجلة مجمع اللغة العربية الأردني"، وصدر العدد الأول منها عام 1978م لتصبح منصة عالمية رصينة تنشر البحوث المتعلقة باللغة العربية وآدابها.

وركز كاتب المقال على جهود المجمع الحثيثة في إحياء التراث العربي والإسلامي ونشره لربط الأمة بجذورها العلمية، وقد تجلى ذلك في نشر المجمع عدداً من النصوص التراثية المحققة، من أبرزها رسائل أبي العلاء المعري، وكتاب "المقنع في الفلاحة"، وكتاب "الفلاحة الأندلسية" لابن العوام الذي تُرجم لست لغات عالمية، كما أولى المجمع اهتماماً خاصاً بنشر فهارس مخطوطات بيت المقدس وفلسطين لحمايتها من الضياع والتهويد.

وامتداداً لهذا العطاء، برز دور المجمع في إصدار المعاجم اللغوية المتخصصة، وفي مقدمتها "معجم ألفاظ الحياة العامة في الأردن"، حيث هدف هذا الإنجاز المعجمي الضخم إلى وضع معجم لغوي للألفاظ الحضارية المتداولة في الأردن لتوحيدها وجمعها في معجم عربي واحد.

وتناول مقال الأستاذ الدروبي دور المجمع كملتقىً فكري دوري عبر عقد الندوات والمواسم الثقافية السنوية، واستضافة مؤتمرات لغوية هامة بالتعاون مع اتحاد المجامع اللغوية العربية منذ عام 1978م.

وفي خطوة تشريعية وتاريخية رائدة غير مسبوقة، تكللت جهود المجمع بالنجاح في استصدار "قانون حماية اللغة العربية رقم (35) لسنة 2015م"، الذي صادق عليه جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وألزم القانون الوزارات والمؤسسات الرسمية والخاصة باستخدام اللغة العربية السليمة في وثائقها ومعاملاتها وإعلاناتها، وجعل اجتياز "امتحان الكفاية في اللغة العربية" شرطاً أساسياً للتعيين في الوظائف الحكومية التعليمية والإعلامية.

وقام المجمع الأردني كذلك بتأسيس إذاعة خاصة به عام 2016م لتكون وسيلة تواصل حية تهدف إلى الارتقاء بالذوق العام والحفاظ على سلامة لغة الضاد ونشرها، من خلال برامجها اللغوية والثقافية والتوعوية باللغة العربية السليمة التي تبث على مدار الساعة عبر الأثير والشابكة، الأمر الذي جعلها مبادرة رائدة وفريدة من نوعها على مستوى الوطن العربي. 

وختم الأستاذ سمير الدروبي مقالته المركزة بتوثيق الجوائز الرفيعة والتقديرية التي حازها المجمع محلياً ودولياً، ومن أبرزها: وسام الاستقلال من الدرجة الأولى عام 2019م، وجائزة الملك فيصل العالمية العريقة عام 2017م، وجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عامي 1980م و1998م، وجائزة اتحاد مجالس البحث العلمي العربية عامي 1986م و1987م، والجائزة الذهبية في مونديال القاهرة عام 2018م، وجائزة مجمع الملك سلمان العالمية للغة العربية عام 2024م، مما يبرهن على المكانة السامية التي يتبوّؤها المجمع حصناً منيعاً لحماية لغة الضاد وحماية الهوية العربية.