الانبطاح وأزمة الاهتمامات.. إلى أين تقودنا البوصلة؟

{title}
راصد الإخباري -

عدي ابو مرخية

ينقسم العالم إلى انقسامات رئيسية وفرعية؛ فنحن على كوكب الأرض، وكلٌّ منا يعيش في قارة، وضمن هذه القارة دولة، وداخل الدولة محافظات وألوية وأقضية، بحسب التقسيمات الإدارية، مهما اختلفت مسمياتها.

ونحن بشر، فمنّا المسلم، ومنّا المسيحي، ومنّا البوذي، وغيرها من التقسيمات الدينية والاجتماعية والثقافية التي تشكّل جزءًا من هوياتنا.

لكن، وفي صلب الموضوع، فإن اهتمامات الإنسان لا تتشكّل من فراغ، بل تتأثر بديموغرافية المكان، والعوامل الاجتماعية والدينية والمناطقية، وترتبط بالأصول والبيئة التي نشأ فيها، فضلًا عن ظروفه المعيشية وأولوياته اليومية.

ومنذ أن خلق الله الأرض، لم تتوقف الأحداث عن التتابع، ولو ليوم أو ساعة أو دقيقة. نحن نعيش في عالم متسارع، وواقع مفروض علينا، تتوالى فيه الأخبار والأزمات والتطورات بلا انقطاع.

وبوصفي عاملًا في وسائل الإعلام، تعرّضت كثيرًا لتعليقات من قبيل: «شو هالموضوع؟ مش لاقي غيره؟». وفي محاولاتي المستمرة للتواصل مع الجمهور، ومتابعة الأحداث ونقلها، لم أجد طريقة واحدة يمكنها إشباع رغبات الجميع أو إرضاء اهتماماتهم المتباينة.

فما الذي نتعرّض له اليوم؟

نحن أمام تدفّق هائل للأحداث، زادت أدوات الاتصال السريعة من وتيرته، وأصبحنا أمام ما يُعرف اليوم بالأحداث الرائجة أو «الترند». لكن، هل يمكن لحدث واحد أن يحظى باهتمام جميع الأطراف؟ بالطبع لا.

وهنا نعود إلى التقسيمات التي تحدثنا عنها، وإلى كلمة أصبحت تُستخدم بسهولة في تقييم وسائل الإعلام والعاملين فيها: الانبطاح.

إن كنت تتعامل مع شخص يحمل همًّا قوميًّا عربيًّا، فقد تكون أخبار فلسطين وغزة في مقدمة اهتماماته، وقد ينظر إلى ما عداها من موضوعات على أنه تفاهات لا تستحق النشر.

وإن كنت تتعامل مع شخص مهتم بالشأن المحلي، فقد يعتبر القضايا العربية والقومية بعيدة عن أولوياته، ويرى أن التطوير الداخلي ومعالجة المشكلات اليومية أكثر إلحاحًا.

أما المواطن الذي يواجه أعباء المعيشة، فقد لا يبحث عن كل ذلك بقدر بحثه عن خبر يخص رفع الرواتب أو تخفيض الأسعار، لأنه ببساطة يريد أن يعرف ما الذي يمكن أن يغيّر واقعه المعيشي.

وإن كنت تتعامل مع شخص يتابع الأسواق والتداول، فقد ينظر إلى الأحداث من زاوية تأثيرها على فرصه ومصالحه، ويقرأ في كل تطور احتمالًا للربح أو الخسارة.

هذه نماذج مختلفة من الاهتمامات، وليست بالضرورة متناقضة أو متعارضة، لكنها تعكس حقيقة أن الناس لا ينظرون إلى العالم من نافذة واحدة.

وهنا يبرز السؤال: إذا لم تتحدث وسائل الإعلام بما يوافق هوى كل شخص، فهل تصبح منبطحة في نظره؟

للأسف، هذا ما يحدث في كثير من الأحيان؛ فالبعض لا يريد من الإعلام إلا أن يتحدث في القضية التي تشغله، ويمنحها المساحة التي يعتقد أنها تستحقها، وأي خروج عن هذا المسار قد يفتح الباب أمام الاتهامات والتشكيك بالنوايا.

لكن، هل يُعقل أن نختزل العمل الإعلامي في زاوية واحدة، أو أن نحكم على مهنية الصحفي من خلال خبر نشره ولم يعجبنا، أو موضوع اختار تغطيته ولم يكن ضمن اهتماماتنا؟

حتى كبرى القنوات الإعلامية لا تقتصر على نوع واحد من المحتوى؛ فهي تعرض برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، وتتابع الحروب والأزمات، وتقدّم في الوقت ذاته محتوى ترفيهيًّا وثقافيًّا ورياضيًّا. وقد تجد برنامجًا يلبّي اهتماماتك، وآخر تنتقده، وثالثًا لا يعنيك أصلًا، لكن ذلك لا يجعل القناة بأكملها فاقدة للمهنية أو منحازة لمجرد أنها لم تتحدث بما تريد.

ولا يقتصر عمل وسائل الإعلام على المصائب والحروب والأزمات. هناك من ينتظر الأخبار السياسية، ومن يبحث عن الاقتصاد، ومن يتابع الرياضة، ومن يريد الترفيه، وهناك من يفضّل الابتعاد عن أخبار الحروب لأنها تستنزف طاقته النفسية وتعكّر مزاجه.

فهل يصبح هؤلاء أقل وعيًا أو وطنية أو اهتمامًا لمجرد اختلاف أولوياتهم؟

رسالتي إلى الجمهور:

من حقك أن تتابع ما تهتم به، وأن تنتقد ما لا يعجبك، وأن تطالب بتغطية القضايا التي تراها مهمة. لكن ليس من حقك أن تجعل من اهتماماتك مقياسًا وحيدًا لمهنية الآخرين، أو أن تنعت كل من يخرج عنها بالانبطاح.

ليس مطلوبًا من الصحفي أن يكتب على مقاس رغباتك وحدك، وليس مطلوبًا من الوسيلة الإعلامية أن تتخلى عن بقية جمهورها لإرضائك.

فغيرك يحتاج إلى الترفيه، وآخر يبحث عن الاقتصاد، وثالث يتابع الشأن المحلي، ورابع يريد معرفة ما يجري في فلسطين وغزة، وهناك من يحاول أن يجد وسط هذا الضجيج خبرًا يخفف عنه أعباء الحياة.

الإعلام ليس نافذة واحدة، والجمهور ليس نسخة واحدة، والاختلاف في الاهتمامات لا يعني بالضرورة الانبطاح.

فلنختلف في ما نتابع، ولننتقد ما نرى أنه يستحق النقد، لكن لنتوقف عن محاكمة النوايا وتوزيع الاتهامات لمجرد أن الآخرين لا ينظرون إلى العالم من الزاوية نفسها التي ننظر منها.

ويبقى السؤال: هل نريد إعلامًا ينقل صورة العالم بتعدّدها، أم إعلامًا لا يرضينا إلا عندما يتحدث عمّا نريد نحن؟