رئاسة المجلس وحراك فيسبوكي.. هل وصلنا إلى رسم السياسات رقميًا؟

{title}
راصد الإخباري -



كتب : عدي أبو مرخية 

الميثاق الأكثر جدلًا، والأمة الأكثر تحفظًا، والصقور جماهيريًا، والطراونة نوعيًا، والزبن على صفيح ساخن

مع بدء العد التنازلي لافتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة، واحتدام المنافسة على رئاسة مجلس النواب، شهدت منصات التواصل الاجتماعي حراكًا واسعًا، تشكّلت خلاله وجهات النظر حول شخصية الرئيس القادم، وبرزت محاولات للتأثير في الرأي العام وتوجيه النقاش نحو أسماء بعينها.

لم تعد المنافسة على رئاسة مجلس النواب تقتصر على الحسابات النيابية والمشاورات داخل الأروقة، بل أصبحت المنصات الرقمية جزءًا من المشهد، وأداةً للتعبير عن التأييد والاعتراض، وربما محاولة التأثير في خيارات النواب قبل حسمها.

وهنا يبرز السؤال: هل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة موازية للمنافسة النيابية، وهل وصلنا إلى مرحلة تُرسم فيها السياسات وتُوجَّه فيها الخيارات تحت ضغط الرأي العام الرقمي؟

الميثاق الوطني.. الحزب الأكثر جدلًا

يُعد حزب الميثاق الوطني من أبرز الأحزاب الحاضرة في المشهد النيابي، ويضم أسماء بارزة، من بينها رئيس مجلس النواب الحالي مازن القاضي، والرئيس الأسبق أحمد الصفدي، إلى جانب النائبين مجحم الصقور وإبراهيم الطراونة، الذي طُرح اسمه مرشحًا توافقيًا للحزب لرئاسة المجلس.

وبحكم ثقل الحزب وأهمية الأسماء المرتبطة به، حظي الميثاق بالنصيب الأكبر من الاهتمام والنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن التصريحات المتبادلة أسهمت في تشتيت اتجاهات النقاش، ودفعت المشهد إلى زوايا متعددة بدلًا من أن يستقر على مسار واحد.

الطراونة إعلاميًا.. والصقور جماهيريًا

في بداية الحديث عن إبراهيم الطراونة بوصفه مرشح التوافق داخل الحزب، برز اهتمام من إعلاميين ووسائل إعلام، إلى جانب تحركات من مؤيدين وناخبين، لكن الحضور الإعلامي كان السمة الأوضح في المشهد المرتبط بترشيحه.

في المقابل، حظي النائب مجحم الصقور بحراك جماهيري واسع على منصات التواصل الاجتماعي، ظهر من خلال تفاعل مؤيديه وتحركاتهم الرقمية، في مشهد لافت مقارنة بما حظيت به أسماء أخرى مطروحة للمنافسة على الرئاسة.

وبين الحضور الإعلامي للطراونة والحراك الجماهيري للصقور، برزت صورة مختلفة للمنافسة؛ فالتأثير الرقمي لا يتخذ شكلًا واحدًا، بل يتوزع بين التغطية الإعلامية، والتأييد الشعبي، والقدرة على تحريك النقاش العام.

الخلايلة والخريشا.. تصريحات تشعل المنصات

لم يقتصر الجدل داخل الميثاق على أسماء المرشحين، بل امتد إلى التصريحات المتبادلة بين النائب مجحم الصقور والأمين العام للحزب، النائب حديثه الخريشا، والنائب علي الخلايلة، المعروف بمواقفه وتصريحاته الجدلية.

فبعد اختيار إبراهيم الطراونة مرشحًا توافقيًا للحزب، في ظل تمسك الصقور بترشحه، بدأت ملامح الخلاف بالظهور من خلال تصريحات الصقور، التي تحدث فيها عن المال السياسي وغيرها من القضايا المثيرة للجدل.

ودخل الأمين العام للحزب حديثه الخريشا على خط المواجهة، وصدرت عنه تصريحات وصف فيها الصقور بأنه لا يمثل إلا نفسه، لتبدأ جولة من التصريحات المتبادلة والردود التي ألقت بظلالها على صورة الحزب أمام الرأي العام.

لاحقًا، دخل النائب علي الخلايلة على خط السجال، منتقدًا تصريحات الخريشا، ووصفها بأنها خاطئة، لتزداد حدة النقاش على منصات التواصل الاجتماعي.

وهكذا، تحوّل الخلاف من منافسة على موقع رئاسة المجلس إلى سجال علني امتد إلى قيادات الحزب ومرشحيه، وأصبحت التصريحات نفسها مادةً للنقاش والتحليل والتفاعل الرقمي.

أين إبراهيم الطراونة من كل ذلك؟

على الرغم من أن إبراهيم الطراونة هو المرشح التوافقي الذي يتمحور حوله جانب أساسي من الخلاف مع مجحم الصقور، فإنه لم يظهر في المشهد التصريحي بالحدة نفسها التي اتسمت بها مواقف الأطراف الأخرى.

وقد بدا أن الطراونة فضّل الابتعاد عن التصريحات المتبادلة، والتعامل مع المشهد بهدوء وحكمة، بدلًا من الدخول في سجال مفتوح على المنصات الرقمية.

لكن هذا الغياب عن المواجهة الإعلامية يطرح تساؤلًا آخر: هل يمنح الصمت صاحبه مساحة للمناورة والحفاظ على فرصه، أم يترك المجال للآخرين كي يرسموا صورته أمام الجمهور؟

الزبن.. على صفيح ساخن

بالانتقال إلى كتلة اتحاد الاحزاب الوسطيه
والإصلاح النيابية ، برز اسم النائب سليمان الزبن مرشحًا لرئاسة مجلس النواب، وأكد الزبن تمسكه بترشحه.

لكن الحراك الرقمي المحيط به بدا أكثر هدوءًا، مع حضور محدود نسبيًا لمؤيديه مقارنة بالحراك الذي رافق مجحم الصقور، والذي أظهر تفاعلًا جماهيريًا لافتًا.

واستمر المشهد بهدوئه إلى أن ظهرت شائعات عن سحب الحزب اسم الزبن من  ترشحه للرئاسة ، الأمر الذي دفعه إلى الرد بتصريحات أكد فيها موقفه.

وبذلك، وجد الزبن نفسه أمام تحدٍّ مختلف؛ فبينما يخوض مرشحون آخرون منافستهم وسط سجالات وتصريحات متبادلة، برزت حول ترشحه أسئلة تتعلق بمدى الدعم الذي يحظى به، وقدرته على تحويل موقفه المعلن إلى حراك نيابي مؤثر.

حزب الأمة.. الأكثر تحفظًا وانضباطًا

في مقابل هذا الحراك، اختار حزب الأمة نهجًا مختلفًا في التعامل مع المنافسة على المكتب الدائم .

ففي وقت شهدت فيه منصات التواصل الاجتماعي سجالات وتصريحات متتابعة بين أطراف المنافسة، بدا الحزب أكثر تحفظًا، مفضلًا إدارة تحركاته الداخلية بعيدًا عن التصريحات الإعلامية الكثيرة، مع الاحتفاظ بأوراقه إلى حين اتضاح المشهد.

هذا التحفظ جعل الحزب محط اهتمام الصحفيين الذين حاولوا استكشاف موقفه من المنافسة، ومعرفة اتجاهاته بشأن المرشحين المطروحين.

لكن محاولات الحصول على تصريحات واضحة من نوابه لم تكن سهلة في معظم الأحيان؛ إذ كان بعضهم يحيل الأسئلة إلى عميد الحزب، النائب صالح العرموطي، باعتباره المرجعية الأساسية في هذا الملف.

وحتى في الأحاديث غير المصورة، كان بعض النواب يشيرون إلى أن القرار أو الموقف النهائي يعود إلى العرموطي.

في المقابل، بدت مواقف نواب أحزاب أخرى أكثر وضوحًا في تصريحاتهم الإعلامية، ما أوجد تباينًا بين أحزاب اختارت إعلان مواقفها، وأخرى فضّلت التحفظ وانتظار ما ستسفر عنه المشاورات.

هل تصنع المنصات الرقمية رئيس المجلس؟

ما يجري اليوم يتجاوز مجرد منشورات التأييد والتعليقات على أسماء المرشحين؛ فنحن أمام مشهد تتداخل فيه الحسابات النيابية مع الحضور الإعلامي، والتأييد الجماهيري مع التصريحات الحزبية، في محاولة للتأثير في اتجاهات الرأي العام.

لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى يمكن لهذا الحراك الرقمي أن يؤثر في القرار النيابي النهائي؟

فكثرة التفاعل لا تعني بالضرورة امتلاك المرشح أغلبية نيابية، كما أن غياب الحضور الجماهيري على المنصات لا يعني بالضرورة ضعف فرصه داخل المجلس. فانتخابات رئاسة مجلس النواب تحكمها في النهاية حسابات النواب وتفاهماتهم وتحالفاتهم، لا أعداد الإعجابات والتعليقات وحدها.

ومع ذلك، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مساحة هامشية يمكن تجاهلها؛ فهي أصبحت جزءًا من المشهد السياسي، وقد تسهم في رفع أسهم مرشح، أو إحراج حزب، أو دفع شخصية نيابية إلى توضيح موقفها.

المنافسة على رئاسة مجلس النواب لم تعد تُدار خلف الأبواب المغلقة فقط؛ فجزء من معركتها أصبح علنيًا على الشاشات، حيث تتشكل الانطباعات وتتسع السجالات، بينما يبقى الحسم النهائي داخل قبة المجلس.