الحرب والنزوح يخيمان على فرحة عيد الفطر في لبنان
قالت أم علي، النازحة من إحدى قرى الجنوب: كنا ننتظر العيد لنفرح بالأولاد، واليوم ننتظر فقط أن يمر يومنا بسلام. وأضافت أن هذه العبارة تختصر حال عشرات آلاف الجنوبيين العالقين في الحرب والنزوح، مما أفقد العيد بهجته. وبينت أن ذلك انعكس على أحوال اللبنانيين كافة في بيروت وصيدا بشكل أساسي، وهما مدينتان تستضيفان أكبر نسبة من النازحين.
في مراكز الإيواء والشقق المؤقتة، وكذلك في بلدات استقبلت آلاف النازحين، يُستقبل عيد الفطر خارج سياقه الطبيعي. وأوضحت أن معانيه تتبدل وتتقلص مظاهره، وتُعاد صياغة العلاقة معه بوصفه يوماً ينبغي عبوره أكثر مما ينبغي الاحتفال به. وأشارت إلى أن الاحتفالات تتراجع أمام ضرورات البقاء، ويتقدّم القلق على الفرح.
كشفت مصادر أن المناطق التي أُفرغت من سكانها، تراجعت ملامح العيد إلى حدّها الأدنى. وأظهرت أن الأسواق خفتت، والتحضيرات المنزلية توقّفت، والمساجد في بعض المناطق خرجت من الخدمة أو باتت ضمن نطاق الخطر.
تراجع مظاهر العيد
قال أحد أبناء الجنوب: العيد كان يبدأ من الليلة السابقة، أما اليوم فلا نعرف إن كانت بيوتنا ما زالت كما تركناها. وأضاف أنه بهذا المعنى، لم يتراجع العيد فحسب، بل انفصل عن مكانه. وأكد أنه مع هذا الانفصال، فقد جزءاً أساسياً من دلالته الاجتماعية والوجدانية.
في المدن، تعكس الأسواق واقعاً موازياً، فالأزمة الاقتصادية التي سبقت الحرب، تفاقمت معها، لتعيد ترتيب أولويات الإنفاق بشكل حاد. قال أحد أصحاب المحال: الأولوية اليوم للدواء والغذاء، العيد لم يعد ضمن الحسابات. وأشار إلى أن هذا التحوّل لا يعبّر فقط عن تراجع القدرة الشرائية، بل عن انتقال العيد من خانة الضرورة الاجتماعية إلى خانة الكماليات المؤجّلة.
في هذا السياق، تبرز تجربة حسين، صاحب محل ألبسة في محلة بئر العبد في ضاحية بيروت الجنوبية، كصورة مكثّفة لهذا التحوّل. كان يعوّل على الأسبوع الأخير قبل العيد، باعتباره ذروة الموسم، قبل أن يدفعه الإنذار الشامل للضاحية إلى نقل بضاعته إلى منزله المستأجر في عاريا في جبل لبنان.
الأزمة الاقتصادية وتأثيرها
قال حسين: أخرجت البضاعة بسرعة، كنت أتوقع التصعيد، لكن لم أتوقع أن يضيع الموسم بالكامل. وأضاف: تحوّل المنزل إلى مخزن مؤقت، أكياس وصناديق وملابس تنتظر طلباً لم يعد موجوداً. حاول التعويض عبر الإعلان على واتساب وتأمين خدمة التوصيل، إلا أن الاستجابة بقيت شبه معدومة.
أردف قائلا: لا أحد يشتري، الأولوية للدواء والغذاء، الألبسة أصبحت كماليات، قبل أن يختصر المشهد الاقتصادي بالقول: أنقذت البضاعة، لكن السوق مات. على مستوى آخر، تتجاوز الخسارة البعد الاقتصادي لتطال معنى العيد نفسه.
يربط محمد، ابن بلدة حولا، هذا التحوّل مباشرة بتدمير بلدته وإفراغها. وأوضح أنه منذ حرب أكتوبر 2023، بدأ العيد يتراجع، قبل أن يفقد معناه كلياً مع النزوح. وأضاف: أطفالي لم يعودوا يسألون عن ملابس العيد، بل عن موعد العودة إلى البيت.
فقدان بهجة العيد
أكمل محمد قائلا: انتقلت العائلة إلى منزل مستأجر في قبيع في جبل لبنان، حيث يتوافر الأمان، لكن من دون إحساس بالانتماء. وتابع: حتى البدائل انهارت، كنا نقصد صور وبحرها كمتنفس للأطفال، اليوم حتى هذا الخيار لم يعد متاحاً بعد تهديدها. وأكد أنه بالنسبة له، العيد لا يُنقل جغرافياً، العيد هو المكان... والآن فُقد المكان.
في تجربة زينب (13 عاماً)، المهجّرة من الضاحية الجنوبية والمنحدرة من عائلة من بعلبك، يظهر البعد النفسي لهذه التحوّلات. تقول: العيد يعني بيت جدّتي في القرية، حيث نجتمع ونلعب مع العائلة، أما اليوم، فالعائلة تفرّقت وتوزّعت على مناطق مختلفة.
لا تفكّر زينب في ثياب العيد، ولا في مظاهره، مكتفية بالإشارة: أريد فقط أن تتوقف الحرب ونعود إلى حياتنا الطبيعية. ويبدو أن الأطفال، في هذا المشهد، هم الأكثر تأثراً. إذ تنشأ فئة متزايدة منهم خارج الإطار التقليدي للمناسبات، في بيئة يغلب عليها القلق وعدم الاستقرار.
تأثير الحرب على الأطفال
قالت لانا (9 سنوات)، النازحة من الضاحية أيضاً: أريد أن أعود إلى بيتي، هذا هو العيد. تعكس هذه العبارة انتقال معنى العيد من كونه مناسبة احتفالية إلى كونه مرادفاً لفكرة العودة.







