تاثير حرب ايران على قطاع الصحة والدواء عالميا
أثرت الحرب المتصاعدة في ايران وتوسع نطاق الاضطراب في الشرق الأوسط على سلاسل إمداد الصحة والدواء العالمية. وأدى ذلك إلى تحول يعكس اتساع نطاق الصدمة من الطاقة والنقل إلى الأمن الصحي.
كشفت تقارير حديثة أن الخليج، الذي يمثل عقدة عبور محورية للأدوية، يواجه اختناقا مزدوجا أصاب مساريه الحيويين، وهما مضيق هرمز والمجال الجوي ومراكز الشحن الإقليمية.
أظهر تحليل نشرته منصة "ثينك غلوبال هيلث" أن النشاط التجاري عبر المضيق أقل بنحو 90% من مستويات ما قبل الحرب حتى 16 مارس، في حين تراجعت قدرة الشحن الجوي في منطقة الخليج بنسبة 79% بين 28 فبراير و3 مارس، مما انعكس على انخفاض السعة العالمية بنحو 22%.
أكد مختصون أن الحرب تحولت إلى عامل هيكلي يعيد تعريف مخاطر الأمن الدوائي عالميا، من حيث الكلفة والوقت ودرجة الاعتماد على مسارات جغرافية محدودة، مما يكشف هشاشة نموذج سلاسل التوريد القائم على تركز نقاط العبور في عدد محدود من المراكز الحيوية.
تكمن خطورة التطورات الحالية في أن دول مجلس التعاون الخليجي تشكل مركز عبور رئيسيا يربط بين مصنعي الأدوية ومكوناتها في الهند وأوروبا والصين من جهة، وبين أسواق أفريقيا وآسيا والولايات المتحدة من جهة أخرى. وأشار تحليل "ثينك غلوبال هيلث" إلى أن قيمة الصناعة الدوائية الخليجية تبلغ نحو 23.7 مليار دولار، مع اعتماد يقارب 80% منها على الواردات التي تمر عبر المجال الجوي الخليجي ومضيق هرمز، ويتوقع أن تتضاعف هذه القيمة بحلول عام 2033.
أوضح خبراء أن دبي تبرز في قلب هذه الشبكة بوصفها مركزا لإعادة التصدير والتخزين المبرد وإعادة التوزيع، مع وجود بنية تحتية متقدمة تعتمد عليها شركات لوجستية كبرى وسلاسل توريد صحية دولية. وبينوا أن تعطل هذا المحور لا ينعكس فقط على التجارة، بل على الإمدادات الإنسانية كذلك، كما ظهر في توقف عمليات مركز دبي اللوجستي التابع لمنظمة الصحة العالمية بسبب انعدام الأمن وإغلاقات المجال الجوي والقيود المرتبطة بهرمز.
يظهر الأثر الأول والأسرع غالبا في الأدوية الأعلى حساسية للوقت ودرجات الحرارة، مثل اللقاحات والإنسولين والعلاجات البيولوجية وأدوية السرطان. وأفادت مصادر أن هذه المنتجات تعتمد بدرجة كبيرة على الشحن الجوي وسلاسل التبريد، مما يجعلها الأكثر انكشافا عند تعطل المطارات والمحاور الجوية.
نقلت منصة "هيلث بيت" عن الخبير في سلاسل إمداد الرعاية الصحية براشانت ياداف قوله إن أغلب هذه الأدوية يجب أن تنقل ضمن نطاق حراري ضيق يتراوح عادة بين درجتين وثماني درجات مئوية، وأن شركات الشحن تحتاج إلى نحو أسبوع ونصف لتعويض كل أسبوع يتوقف فيه الشحن الجوي، مما يرفع مخاطر التلف والتأخير ونقص المعدات المخصصة للنقل المبرد في الشحنات اللاحقة.
أشارت رويترز إلى أن شركات أدوية غربية بدأت فعليا البحث عن مسارات بديلة لإدخال العلاجات إلى الخليج، بما في ذلك النقل عبر مطارات جدة والرياض أو عبر إسطنبول وعمان، مع استخدام الشحن البري في بعض المراحل لتعويض انقطاع الممرات الجوية التقليدية عبر دبي وأبوظبي والدوحة. وأضافت أن هذه الحلول تظل أعلى كلفة وأكثر تعقيدا، ولا تناسب بالقدر نفسه جميع المنتجات الدوائية، خصوصا تلك ذات العمر التخزيني القصير.
تتجه الأزمة في المدى القصير نحو ارتفاع الكلفة وتزايد مخاطر الاختناقات في فئات محددة، مع وجود مخزونات احتياطية تمنح قدرا من الحماية. وأظهرت تقديرات "ثينك غلوبال هيلث" أن شركات الأدوية تحتفظ في المتوسط بمخزون من المنتجات النهائية يكفي نحو 180 يوما، كما يحتفظ كبار الموزعين بمخزونات إضافية تقارب 25 إلى 30 يوما.
أكد مختصون أنه في الاتحاد الأوروبي، تفرض دول عدة مخزونات للأدوية الأساسية تتراوح بين شهرين وستة أشهر، وأن الخطر الفوري لا يتمثل في فراغ الرفوف بقدر ما يتمثل في تضخم كلفة النقل والتأمين وإعادة التوجيه، وهو ما قد ينتقل لاحقا إلى أسعار المستهلكين.
قال المختص في قطاع التسويق والصناعة الدوائية محمد العمري إن مصانع الأدوية في الأردن والخليج ومصر واجهت ارتفاعا ملحوظا في تكاليف شحن المواد الأولية، رغم عدم انقطاع الإمدادات من مصادرها الآسيوية والأوروبية.
أوضح العمري أن المشكلة الأساسية لم تكن في التوفر، بل في ارتفاع كلفة النقل، في وقت تخضع فيه أسعار الأدوية لأنظمة تسعير صارمة تحددها هيئات الغذاء والدواء، مما دفع العديد من الشركات إلى تأجيل عمليات الاستيراد لتفادي خسائر لا يمكن تعويضها عبر رفع الأسعار.
أضاف العمري أن هذا الوضع أدى إلى تباطؤ في الاستيراد لدى المصنعين والمستوردين على حد سواء، مع الاعتماد على المخزونات المتاحة، مما تسبب في بعض الانقطاعات المحدودة التي لم يشعر بها المرضى بشكل مباشر، نتيجة قصر مدة الأزمة وتوفر مخزون أمان كاف لدى الشركات ووكلاء الأدوية الأجنبية، مما خفف من الأثر الفوري للحرب على الأسواق.
تشير رويترز إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى انخفاض إمدادات بعض أدوية الأورام خلال 4 إلى 6 أسابيع إذا طال أمد الاضطراب، بينما نقلت تحليلات أخرى عن مختصين في سلاسل الإمداد أن زيادة أسعار الشحن الجوي، ولا سيما من الهند، قد تبدأ في التأثير على أسعار الأدوية للمستهلكين خلال الإطار الزمني نفسه.
أعلنت منظمة الصحة العالمية في 5 مارس أن عمليات مركزها اللوجستي في دبي، الذي لبى أكثر من 500 طلب طوارئ لصالح 75 دولة خلال العام الماضي، أصبحت متوقفة مؤقتا، ونتيجة لذلك، تعذر الوصول إلى إمدادات صحية إنسانية بقيمة 18 مليون دولار، بينما لم تتمكن شحنات أخرى بقيمة 8 ملايين دولار من الوصول إلى المركز، كما تأثر أكثر من 50 طلب إمداد طارئ موجه إلى 25 دولة، بينها أدوية لغزة ومستلزمات مختبرية لمكافحة شلل الأطفال.
تضيف الأزمة بعدا آخر يتعلق بالمدخلات الطبية غير الدوائية، وفي مقدمتها الهيليوم المستخدم في تبريد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. ووفقا لما أورده موقع "هيلث بيت"، فإن الهجوم الايراني في 18 مارس على راس لفان ادخل قدرا كبيرا من عدم اليقين إلى سوق الهيليوم العالمية، في وقت تعد فيه قطر ثاني أكبر منتج لهذا الغاز عالميا.
على الرغم من أن الأثر لا يظهر فوريا بسبب وجود مخزونات وفواصل زمنية طويلة نسبيا بين الإنتاج والتسليم وإعادة التعبئة، فإن استمرار القيود قد يؤدي إلى تشديد سوق يعاني أساسا من الهشاشة، خصوصا مع وجود نحو 50 ألف جهاز رنين مغناطيسي في العالم وإجراء أكثر من 95 مليون فحص سنويا.
في المقابل، اتجهت الشركات إلى تطوير مسارات بديلة لتجاوز الاختناقات، إذ أفادت رويترز بأن ممرات لوجستية برية وبحرية يجري توسيعها عبر جدة وصلالة وصحار وخورفكان، مع إعطاء أولوية لنقل السلع الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والدواء.







