العالم يتغيّر… فأين يقف الشاب الأردني؟

{title}
راصد الإخباري -


محمد أحمد إحدوش  

حين تنقلب الموازين بسرعةٍ لم تعرفها الأجيال السابقة، لا يعود السؤال عن المستقبل ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. العالم الجديد لا يطرق الباب بل يقتحمه، يحمل معه أدواتٍ لم نألفها، ومفاهيمَ لم نتربَّ عليها، وفرصاً لا تنتظر المتردّدين. في قلب هذا التحوّل تقف ثلاثة محاور تُعيد تشكيل معنى العمل، والمشاركة، والنجاح: الابتكار التكنولوجي، وريادة الأعمال المرنة، والاقتصاد القائم على تعدّد المصادر.  

لم يعد الذكاء الاصطناعي حديث مختبراتٍ بعيدة، ولا العمل الحر حلماً يؤجل لما بعد الوظيفة. صار بإمكان شابٍ في معان أن يصمّم لواجهة شركةٍ في برلين، وأن تبيع فتاةٌ في عجلون محتواها التدريبي لجمهورٍ في الخليج، دون أن تغادر بيتها. انهارت الحواجز الجغرافية، لكنّ الحاجز الحقي انتقل إلى داخل الإنسان نفسه: هل يملك العقلية التي تتحوّل من مستهلكٍ للتكنولوجيا إلى صانعٍ بها؟ وهل تجرّأ على أن يرى في مهارته سلعةً قابلةً للعرض والبيع في سوقٍ مفتوح؟

وفي خضم هذا الانفتاح، تغيّرت فكرة الأمان الوظيفي. لم تعد الوظيفة الواحدة درعاً يكفي لحماية الأسرة من تقلّبات الزمن، بل أصبحت القدرة على بناء أكثر من مصدر دخل هي الضمان الحقي. الاقتصاد الجديد لا يكافئ من ينتظر، بل من يبني، من يجرّب، من يخطئ ويعيد المحاولة. وهنا تظهر فجوةٌ ثقافيةٌ لا تزال قائمة: ما زلنا نربط الكرامة بالوظيفة الثابتة، ونتردّد في أن نسمّي المشروع الجانبي نجاحاً، رغم أنه قد يكون بوابة الاستقلال الحقي.

أما المشاركة المجتمعية، فقد خرجت من قاعاتٍ مغلقة إلى فضاءٍ مفتوح لا يعرف التوقيت ولا الوساطة. صار للصوت الواحد أن يصل، وللمبادرة الصغيرة أن تكبر إن وجدت من يسمع ويستقبل. لكنّ الصوت وحده لا يكفي. كثيرٌ من طاقة الشباب تتبدّد في النقد لأنه الأسهل، بينما يبقى الانتقال إلى اقتراحٍ مكتوب، ومشروعٍ قابل للتطبيق، هو الخطوة التي تفصل بين الحماسة والأثر.

في هذا المشهد المتغيّر، لا يمكن أن نطلب من الشاب أن يركض وحده. لا بد منصةٍ تحتضن، وتسمع، وتوصل بين الفكرة وصاحب القرار. وهنا جاء دور مؤسسة ولي العهد، التي أدركت مبكّراً أن المشكلة ليست في نقص الأفكار، بل في نقص المساحات التي تُحوّل هذه الأفكار إلى حوارٍ منتج. منصة تواصل لم تكن مؤتمراً تقليدياً، بل محاولةٌ جادةٌ لخلق طاولةٍ واحدة يجلس عليها الشاب والمحافظ، المبادر والمسؤول، ليتحوّل الكلام إلى التزام، والالتزام إلى خطوة.

ما تفعله المنصة اليوم هو أنها تقول للشاب الأردني: صوتك له مكان، لكنه يحتاج إلى لغة. لغةٌ تعرف كيف تُكتب مقترحاً، وكيف تُدار جلسة، وكيف تُبنى شراكة. إنها دعوةٌ للانتقال من مرحلة التعبير إلى مرحلة التأثير، ومن مرحلة التمنّي إلى مرحلة الفعل.

والمسؤولية الآن موزّعة. على المؤسسة أن تفتح الباب، وعلى المحاضر والباحث أن يجهّز من يدخل. لا يكفي أن نفتخر بأن لدينا شباباً واعين، ما لم نقدّم لهم الأدوات التي تجعل هذا الوعي قابلاً للحياة. ورشةٌ واحدة عن كتابة المقترحات، جلسةٌ واحدة عن حقوق المستقل، مثالٌ حيٌّ عن شابٍ نجح لأنّه جرّب، كلّها حجارةٌ في بناء ثقافةٍ جديدة لا ترى في الشاب عبئاً على المستقبل، بل شريكاً في صناعته.

العالم الجديد لا ينتظر أحداً. إمّا أن نُعدّ شبابنا ليكونوا فيه لاعبين، وإمّا أن نتركهم متفرّجين على لعبةٍ تُدار دونهم. والفرصة أمامنا اليوم، واضحةٌ كالشمس في صحراءٍ لم تَعُد خالية، بل صارت مسرحاً لكلّ من جرؤ على أن يخطو.