مصر بين تصدير الغذاء وتوفير الدولار: هل يرتفع الغلاء؟

{title}
راصد الإخباري -

مع استمرار ارتفاع اسعار الطماطم الذى وصفه المصريون بـ«المجنونة» بسبب تقلباتها السعرية، يتواصل النقاش في مصر حول ما إذا كان التصدير سببا مباشرا في ارتفاع اسعار بعض المنتجات الغذائية في السوق المحلية.

بينما يرى البعض ان خروج السلع الى الاسواق الخارجية يقلص المعروض الداخلي، ما يؤدي الى زيادة الاسعار على المستهلك المصري، يشير اخرون الى ان التصدير ضرورة لتوفير العملة الاجنبية التي تحتاجها الدولة لتغطية وارداتها وسداد التزاماتها الدولية.

شهد شهر مارس الماضي جدلا عقب دعوات من اقتصاديين لوقف تصدير السلع الحيوية وتوجيهها للاستهلاك المحلي، ما لم يكن هناك فائض كبير في الانتاج المحلي يغطي احتياجات السكان، الا ان الدعوة قوبلت بانتقادات، كونها تهدد التدفقات الدولارية ولتأثيرها السلبي المحتمل على الاسواق.

عاد الجدل حاليا مع ارتفاع اسعار بعض السلع، كان احدثها الطماطم، تلك السلعة الاساسية في المطبخ المصري، ووصول سعر الكيلوغرام منها الى 50 جنيها.

ارجع الامين العام لشعبة المصدرين، احمد زكي، ارتفاع اسعار الطماطم خلال الفترة الحالية الى عدة عوامل، ابرزها زيادة الفاقد الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة، الى جانب ارتفاع معدلات التصدير، كما شدد في تصريحات متلفزة، على ان الصادرات تسهم في دعم العملة الصعبة، لكن تجب مراعاة الاحتياج المحلي خصوصا في فترات الذروة.

بلغ حجم صادرات مصر الزراعية 9.5 مليون طن بقيمة 11.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة لوزير الزراعة.

تعول الحكومة على نمو الصادرات بوصفها احد اهم مصادر تدفقات النقد الاجنبي، الى جانب ايرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المغتربين.

من جهة اخرى، لجأت الحكومة خلال السنوات الماضية لحظر تصدير بعض السلع الاساسية، مثل الارز والسكر والبصل لمواجهة زيادة اسعارها وضبط الاسواق.

من قبل الطماطم، ارجع متابعون ارتفاع اسعار الدواجن الى فتح باب التصدير للخارج، الا ان خبراء بالقطاع نفوا وجود علاقة بين التصدير وارتفاع الاسعار.

كما اثار اعلان «الهيئة القومية لسلامة الغذاء» ادراج مصر لاول مرة ضمن مصدري اسماك الاستزراع للاتحاد الاوروبي، جدالا، وتوقع رئيس «شعبة الاسماك» السابق بغرفة الاسكندرية، احمد قدورة، ان يتسبب التصدير في قفزة سعرية لا تقل عن 15 في المائة، فور بدء التصدير في الربع الثالث من عام 2026.

يرى رئيس «جمعية رجال الاعمال المصريين الافارقة»، مستشار الاستثمارات الدولية وخبير التنمية الاقتصادية، يسري الشرقاوي، ان «قرارات التصدير يجب ان تبنى على قراءة دقيقة لاحتياجات السوق المحلية، الى جانب حسابات الدولة في توفير العملة الاجنبية»، مؤكدا ان التخطيط الامثل للموارد هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين الاسواق الداخلية والطلب العالمي.

اضاف الشرقاوي: «تحقيق التوازن بين حماية المستهلك المحلي وضمان تدفق الدولار يبدا من التخطيط الجيد للاحتياجات، عبر قراءة دقيقة لحجم الطلب الداخلي ومراعاة العوامل المؤثرة في وفرة الانتاج، مثل التغيرات المناخية وتبني التكنولوجيا الحديثة لرفع انتاجية المحاصيل الاساسية». واكد ان الحوافز الاستثمارية ضرورية لتشجيع القطاع الخاص على زيادة انتاج السلع ذات الطلب المرتفع محليا وخارجيا.

اشار الشرقاوي الى ان قرارات الحكومة بوقف تصدير بعض السلع عادة ما تكون مؤقتة بهدف تهدئة الاسعار داخليا، مضيفا: «التوازن الحقيقي يتحقق عبر السيطرة على الاسواق الوسيطة والحد من حلقات التداول التي ترفع الاسعار وتزيد الهدر، مع تعزيز وصول المنتج مباشرة من المزرعة الى الاسواق الكبرى».

استطرد الشرقاوي قائلا: «الطفرات السعرية لا ترتبط دائما بوفرة المحصول او بقرارات التصدير، بل قد تكون نتيجة ممارسات بعض التجار او غياب اليات رقابية فعالة، وهو ما يجعل تفعيل البورصة السلعية اداة مهمة لضبط الاسعار».

بحسب الخبير الاقتصادي ورئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، عادل عامر، فان المواطن «هو المتضرر الاول من معضلة توفير الدولار وكبح الغلاء»، قائلا انه يتحمل تكلفة ارتفاع الاسعار الناتجة عن محدودية المعروض المحلي.

تابع عامر: «بينما يمثل التصدير احد اهم مصادر العملة الاجنبية، فان ضعف الانتاج مقارنة بالزيادة السكانية يجعل السوق الداخلية عرضة للضغط، وهو ما ينعكس على المستهلك في صورة غلاء متكرر».

اضاف عامر: «مطالبات وقف التصدير ليست خيارا عمليا، لان هذا يضر بقدرة الدولة على توفير النقد الاجنبي». ولفت الى ان «الحل الامثل يكمن في زيادة الرقعة الانتاجية لتلبية الطلب المحلي المتنامي، فكلما ارتفع حجم الانتاج تراجعت حدة الازمة وقلت الفجوة بين احتياجات السوق الداخلية ومتطلبات التصدير».

اكد عامر ان تحقيق التوازن بين مصالح الدولة وحقوق المواطنين مسؤولية المجموعة الاقتصادية بمجلس الوزراء، موضحا: «هي مطالبة بوضع سياسات انتاج ورقابة تضمن حماية المستهلك، مع استمرار تدفق الدولار عبر التصدير».

كما تحدث عامر عن اهمية انشاء بورصات سلعية لضبط الاسعار، الى جانب تفعيل دور وزارة الزراعة في الانتاج كما كان في السابق، بما يحقق توازنا بين القطاعين العام والخاص.

قال عامر: «هذه الاليات، الى جانب التخطيط طويل المدى، يمكن ان تقلل من تقلبات الاسعار وتخفف العبء عن المواطن، دون التضحية بمصادر النقد الاجنبي الحيوية للدولة».