طهران: الحرب تلهب اسعار العقارات والايجارات

{title}
راصد الإخباري -

لم يكن الارتفاع الكبير في الايجارات والعقارات في ايران بحاجة الى بيانات رسمية معقدة حتى يفهمها المواطن العادي، فالاسعار المدرجة على زجاج نوافذ مكاتب العقارات كفيلة بان تختصر المشهد باكمله، مشهد عنوانه العريض "سوق سكن مشلولة واسعار محلقة وحلم بات بعيدا اكثر من اي وقت مضى"، كما يصفه المواطن رحمان (36 عاما) بطهران.

منذ سريان الهدنة التي جاءت عقب حرب استمرت 39 يوما بين التحالف الامريكي الاسرائيلي من جهة وايران من جهة اخرى، دخل سوق العقارات بطهران في تناقض صارخ، ورغم حالة الركود المتواصلة منذ اكثر من عام، الا ان الاسعار شراء وايجارا تواصل تحليقها مدفوعة بتطورات الحرب التي الحقت اضرارا بالبنية التحتية الايرانية وعلى راسها كبرى شركات الصلب والبتروكيماويات.

في جولة ميدانية لمراسل الجزيرة نت في عدد من احياء العاصمة طهران، اكد مواطنون ايرانيون ان اسعار المتر المربع للشقق تضاعفت خلال الاشهر القليلة الماضية، اما الشاب رحمان الذي كان يبحث عن شقة للايجار، فيقول ان "الاسعار ارتفعت بنسبة تتجاوز 60% مقارنة مع عشية حرب رمضان الاخيرة".

خلافا لسوق الشراء الذي ما زال يعاني ركودا بسبب التضخم في الاسعار، يؤكد رحمان للجزيرة نت ان المستاجرين يخشون ارتفاع الايجارات اكثر فاكثر مع حلول فصل الصيف، فيحاولون توفير سكن للعام المقبل قبل ذروة موسم الايجارات التي عادة تسبق العودة للمدارس بحلول فصل الخريف.

وبسبب تداعيات الحرب الاخيرة وتدمير عشرات الاف الوحدات السكنية تفاقمت معاناة المستاجرين الذين وجدوا انفسهم امام خيارين اما تحمل الزيادة او النزوح الى الضواحي البعيدة عن العاصمة، وفق رحمان.

تقول الشابة مهري (24 عاما موظفة في احدى شركات التامين) "انا وزوجي موظفان ونعيش مع طفلينا في شقة بالايجار وكل سنة يهددنا المالك برفع الايجار او الطرد حلمنا ان نمتلك شقة صغيرة".

مهري التي التقيناها امام احد مكاتب العقار بشارع مطهري وسط طهران، تسكت للحظة ثم تشير باصبعها الى قصاصة اعلان عقاري ملصقة على واجهة المكتب "انظر الى هذا السعر انه جنوني حقا".

تضيف في حديثها للجزيرة نت "اذا افترضنا اننا عشنا على راتبي انا فقط وادخرنا راتب زوجي كاملا فكم عاما نحتاج لشراء شقة متواضعة ثم تجيب بنفسها نحو 30 عاما".

تختم حديثها للجزيرة نت قائلة "زوجي سيكون حينها عجوزا وانا سابلغ حينها 64 عاما هذا ليس حلما هذا استهزاء بنا".

يقول الحاج امين (69 عاما)، وهو صاحب مكتب للعقارات بشارع احمد قمي جنوب شرقي طهران، ان الحرب الاخيرة خلقت حالة من "الصدمة النفسية" لدى المستثمرين والمواطنين على حد سواء، فبينما يرفع المالكون اسعارهم بهدف تعويض خسائر العملة، يمتنع المشترون عن الدخول في صفقات خوفا من "فقاعة عقارية" او هبوط حاد في الاسعار على حد قوله.

يوضح الحاج امين للجزيرة نت ان "سوق الايجار ليس افضل حالا بل هو الوجه الاكثر قسوة للازمة، فمع تراجع العائد من الاسواق المالية الموازية واستمرار التضخم العام، بات الملاك يرفعون سقف توقعاتهم في عقود الايجار الى مستويات غير مسبوقة"، مضيفا "نحن امام سوق متجمدة لكنها تغلي في ان واحد سوق فقدت بوصلتها وتعكس بصدق حجم الهوة بين ارقام الاقتصاد الكلي وحياة الناس اليومية ما بعد الحرب".

للوقوف على اسباب هذه الازمة وعلاقتها بتداعيات الحرب الاخيرة، توجهنا بالسؤال الى عبد الجلال ايري، المتحدث باسم لجنة الاعمار في البرلمان الايراني الذي لم يتردد بدوره في وصف ما يجري في سوق العقارات الايرانية بـ"حالة من الفوضى والتراخي"، مؤكدا ان "القفزات السعرية التي نشهدها على ارض الواقع لا تمت بصلة لتداعيات الحرب".

في تصريحه للجزيرة نت، سعى النائب الايراني الى تفكيك ما بات يعرف في طهران بازمة "شح مواد الانشاء"، قائلا: "قبل الحرب، كنا ننتج حوالي 30 مليون طن من الفولاذ سنويا وفي اكثر التقديرات تفاؤلا لا نحتاج لبناء مليون وحدة سكنية سنويا سوى 10 ملايين طن اي انه كان لدينا فائض تصديري لا يقل عن 20 مليون طن"، مؤكدا ان وضع الاسمنت مماثل مما يعني ان "الادعاء بان جميع السلع ومواد البناء قد ارتفعت اسعارها غير صحيح فربما لم ترتفع سوى 2% الى 5% من السلع فعليا لكن غياب الرقابة سمح بتسرب هذا الغلاء الى الوحدات المكتملة وحتى الى الايجارات".

في تفنيد مباشر لمبررات السوق، يقول ايري "لا توجد اي علاقة منطقية بين اسعار العقارات وسعر التكلفة النهائية للسكن"، مستندا الى تقديرات هندسية تفيد بان "حصة مواد البناء في سعر السكن داخل مدينة كبرى مثل طهران لا تتجاوز 10% كحد اقصى، بينما 90% المتبقية تتوزع على ثمن الارض والاجور والرسوم والنفقات الجانبية".

يخلص ايري الى نتيجة قاطعة مفادها ان الارتفاع الصاروخي الحالي في اسعار المساكن لا يستند الى اي مبرر فني او اقتصادي حقيقي، بل هو نتاج مباشر لدعاية نفسية ومضاربات محمومة يمكن للرقابة الحكومية ان تكبحها"، موضحا ان "الهجمات الاخيرة التي تعرضت لها منشات الفولاذ تحولت الى ذريعة بيد فئة من السماسرة والمضاربين وتجار العقار لرفع الاسعار بشكل مبالغ فيه".

في جولة ميدانية اجراها مراسل الجزيرة نت على عدد من مشاريع الانشاء والتطوير العقاري في العاصمة طهران، برز مشهد متناقض يعكس حالة "اللا سلم واللا حرب" التي تتخبط فيها البلاد، وبينما تقف رافعات شاهقة بلا حراك في بعض المواقع التي اغلقت ابوابها تماما بعد اندلاع الحرب، ثمة ورش اخرى ما زالت تقاوم رغم كل الظروف غير ان القاسم المشترك بينها جميعا هو الشكوى المرة من الارتفاع الكبير في تكاليف البناء وبالتحديد اجور اليد العاملة التي قفزت بشكل غير مسبوق.

يوجه المهندس محمد (53 عاما)، وهو احد المشرفين على ورشة بناء في غرب طهران، اصابع الاتهام في هذا الشان الى القرار الحكومي القاضي باخراج مئات الالاف من العمال الافغان، وهو القرار الذي قلب موازين سوق العمل راسا على عقب على حد تعبيره، موضحا ان اكثر من 50% من عمال البناء في العاصمة وحدها من الرعايا الافغان الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للورش والمشاريع الانشائية.

في حديث للجزيرة نت، يشرح المهندس محمد ما يصفه "ماساة سوق العقار" بان متوسط اجر العامل الافغاني اليومي كان لا يتجاوز 9 ملايين ريال (الدولار يوازي مليون و800 الف ريال) او اكثر بقليل، بينما العامل الايراني اليوم يطلب اكثر من 20 مليون ريال على اقل تقدير، والادهى على حد وصفه ان المشكلة لا تكمن في فارق الاجر وحده، بل في نقص المعروض من العمالة اصلا فـ"حتى لو قبلت ان تدفع ضعف الاجر، فانك بالكاد تجد عاملا ايرانيا مستعدا للقيام بتلك الاعمال الشاقة التي كان يؤديها الافغان لعقود".

يتابع "نحن عالقون بين مطرقة التكاليف التي ترتفع اسبوعيا وسندان العمالة التي تتناقص يوميا بعض المشاريع توقفت بالكامل واخرى تمضي ببطء شديد والنتيجة واحدة السكن الذي كان حلما سيصبح خلال المرحلة المقبلة مستحيلا".

يكشف ان ارتفاع تكاليف اليد العاملة لا يقتصر على فئة عمال البناء وحدهم، بل امتد ليشمل المهن المساعدة كافة، حيث اضحى الحرفيون يطلبون اجرا يساوي ثلاثة اضعاف ما كانوا يتقاضونه قبل عام، لانهم يعلمون انه لم يعد هناك منافس.

يختتم المهندس محمد حديثه قائلا "نحن امام ازمة مركبة نقص حاد في المعروض من الوحدات السكنية وارتفاع صاروخي في تكاليف البناء وانعدام للقدرة الشرائية لدى المستهلك السوق متوقفة ولكن الاسعار مستمرة في الارتفاع"، محذرا "اذا لم تتدخل الحكومة بسرعة لضبط السوق وتوفير بدائل عملية للعمالة، فان ما نراه اليوم من توقف جزئي للورش سيتحول الى انهيار كامل في قطاع البناء".