تصعيد اسرائيلى وتوغل شمال الخط الاصفر بجنوب لبنان
كشف اعلان اسرائيل عن تنفيذ عمليات توغل واجتياح شمال ما يعرف بـ«الخط الاصفر» فى جنوب لبنان عن مؤشرات على انتقال المواجهات الى مرحلة ميدانية اكثر اتساعا بالتزامن مع انذار وجهه الجيش الاسرائيلى الى سكان مدينة النبطية. واوضحت «القناة 15» الاسرائيلية ان العمليات تهدف الى القضاء على الطائرات المسيرة التابعة لـ«حزب الله» بينما تواصلت محاولات التقدم الاسرائيلية عند محور مجرى النهر باتجاه اطراف بلدة زوطر الشرقية مع مؤشرات ميدانية الى سعى القوات الاسرائيلية لفتح محور ضغط باتجاه يحمر الشقيف وسط اتساع رقعة الغارات والاستهدافات من الجنوب الى البقاع.
تتقاطع هذه التطورات مع تصاعد النقاشات داخل اسرائيل بشان تاثير المسيرات وصعوبة احتوائها. واظهرت المؤشرات العسكرية والسياسية ان العمليات الجارية لم تعد تقتصر على سياسة الضغط العسكرى التقليدى بل تتجه نحو محاولة فرض واقع ميدانى جديد وتعديل قواعد الاشتباك القائمة على الجبهة اللبنانية.
شهد محور زوطر الشرقية خلال الساعات الاخيرة مواجهات ميدانية متواصلة. واعلن «حزب الله» التصدي لمحاولات تقدم اسرائيلية باتجاه اطراف البلدة عند محور مجرى النهر. وبينت المعطيات الميدانية ان الاشتباكات المباشرة ترافقت مع استخدام اسلحة صاروخية وقذائف مدفعية ومحلقات انقضاضية استهدفت القوة المتقدمة.
حسب البيانات الصادرة عن الحزب استمرت عمليات الاستهداف منذ فجر الثلاثاء. وطالت قوات اسرائيلية عند مجرى النهر وطريق النهر ومحيط خزان المياه فى زوطر الشرقية اضافة الى مجرى النهر فى يحمر الشقيف عبر صليات صاروخية وقذائف مدفعية. واعلن «حزب الله» استهداف الية «هامر» اسرائيلية والية اتصالات وجرافة من نوع D9 اضافة الى تجمعات للجنود والاليات عند مجرى النهر فى زوطر الشرقية باستخدام محلقات «ابابيل» الانقضاضية وقذائف مدفعية وصليات صاروخية كما اعلن التصدي فجرا لقوة اسرائيلية مركبة تقدمت باتجاه زوطر الشرقية بعد تمهيد جوى ومدفعي كثيف.
شهد الجنوب اللبنانى موجة تصعيد واسعة تخللتها غارات جوية وقصف مدفعى واستهدافات متفرقة طالت مناطق فى صور وبنت جبيل وجزين بالتزامن مع اعلان «حزب الله» تنفيذ عمليات ضد القوات الاسرائيلية فى محور زوطر الشرقية.
شهدت بلدة مشغرة فى البقاع الغربى ليل الاثنين- الثلاثاء احدى اعنف موجات القصف. بعدما تعرضت لسلسلة غارات متتالية تجاوزت ثمانى ضربات متقاربة شكلت ما يشبه «حزاما ناريا» حول البلدة فى اطار اتساع رقعة الاستهدافات من الجنوب باتجاه مناطق البقاع.
اتسعت رقعة الغارات الاسرائيلية لتشمل خربة سلم وكوثرية الرز والمنطقة الواقعة بين حداثا والطيري فيما استهدف حزام نارى باكثر من خمس غارات منطقتي السلطانية وخراج دير انطار بالتزامن مع غارة نفذتها مسيرة اسرائيلية على بلدة الخرايب وغارتين على طريق القرعون فى البقاع الغربي. واعلن الجيش الاسرائيلى بدء مهاجمة ما وصفها بـ«بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله)» فى عدة مناطق جنوب لبنان فى وقت دوت فيه صفارات الانذار فى عرب العرامشة بالجليل الغربى عقب رصد مسيرة قادمة من لبنان.
شن الطيران الحربى الاسرائيلى غارات على بلدات كفرا وصريفا وباريش ومجدل سلم اضافة الى استهداف المبنى الثانى فى المدينة الصناعية فى صور عند مفرق معركة وهو الموقع الذى كان قد وجه اليه انذار مسبق.
نقل موقع «والا» الاسرائيلى عن مصادر مطلعة ان رئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين نتنياهو يتحرك لمنع ادراج الملف اللبنانى ضمن اى اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وايران. واشارت المصادر الى ان اسرائيل ابلغت واشنطن رفضها لاى ترتيبات قد تؤدى الى وقف عملياتها العسكرية فى لبنان وتمسكها بحرية مواصلة الضربات الجوية والبرية داخل الاراضى اللبنانية اضافة الى ابقاء وجود عسكرى داخل مناطق لبنانية تحتلها بعمق يتراوح بين سبعة وثمانية كيلومترات.
كما اعلن نتنياهو انه اعطى توجيهات بتكثيف العمليات العسكرية ضد «حزب الله» ورفع وتيرة الضربات معترفا فى الوقت نفسه بان المسيرات التى يستخدمها الحزب تمثل تحديا متزايدا لاسرائيل.
وافادت هيئة البث الاسرائيلية بان رئيس الاركان ايال زامير وقيادة المنطقة الشمالية عرضا على المستوى السياسى خططا عملياتية جديدة لتوسيع الهجمات فى لبنان وكسر المعادلة مع «حزب الله».
يرى العميد المتقاعد سعيد قزح فى حديثه لـ«الشرق الاوسط» ان التصعيد الاسرائيلى الحالى لا يبدو منفصلا عن ازمة المسيرات التى يطلقها «حزب الله». مشيرا الى ان اسرائيل لم تتمكن حتى الان من ايجاد حل فعال لهذا التحدي.
قال قزح ان «اسرائيل تدفع اثمانا كبيرة بسبب المسيرات التى يطلقها (حزب الله) وهى تحاول التعويض عن ذلك عبر سياسة تقوم على تكثيف التدمير والضغط العسكري. عمليا هناك مناخ داخل اسرائيل سواء لدى المعارضة او اطراف من الموالاة يدفع باتجاه استكمال الحرب لانهم يعتبرون ان الاهداف الاساسية لم تتحقق حتى الان لا سيما منع اطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه شمال اسرائيل».
لم يستبعد قزح احتمال توسيع المنطقة العازلة قائلا: «اذا اعتبرت اسرائيل ان الحل الوحيد لمشكلة المسيرات هو التوغل اكثر داخل الاراضى اللبنانية فقد تقدم على ذلك». وذلك فى قراءته للخطوات الاسرائيلية الاخيرة بما فيها اعلان راس الناقورة منطقة عسكرية واستدعاء مزيد من قوات الاحتياط.
كما لم يستبعد توسيع رقعة الاستهدافات خارج الجنوب. مشيرا الى ان البقاع يبدو احتمالا مرجحا بينما يرتبط اى تصعيد باتجاه بيروت والضاحية الجنوبية بحسابات وضغوط سياسية.
لفت قزح الى ان التركيز الاسرائيلى المتكرر على النبطية ومحيطها لا يبدو امرا عابرا. قائلا: «التصعيد الدائم باتجاه النبطية ليس صدفة عندما نشهد تكثيفا مستمرا للاستهدافات ومحاولات ضغط ميدانى متكررة باتجاه مناطق معينة فهذا يعنى ان هناك شيئا يتم التحضير له ميدانيا».
من جهته راى العميد المتقاعد فادى داوود فى حديثه لـ«الشرق الاوسط» ان التصعيد الاسرائيلى الاخير يعكس تحولا فى طبيعة الاهداف الميدانية.
قال داوود: «المؤشر الاول يتمثل فى انتقال اسرائيل من الردع بالنار الى تشكيل جغرافيا ميدانية جديدة لم يعد الامر مرتبطا فقط بضرب منصات الصواريخ او منع عودة البنية العسكرية جنوب الليطاني بل بمحاولة فرض واقع جغرافي وامني مختلف».
اضاف داوود ان المؤشر الاخر «يرتبط بحالة القلق الاسرائيلى من المسيرات خصوصا تلك المرتبطة بتقنيات الالياف البصرية التى ان لم تصنع تحولا استراتيجيا كاملا فانها تفرض استنزافا وضغطا متواصلا».
اعتبر داوود ان اسرائيل «تسعى الى تحقيق اكبر قدر من الاهداف داخل لبنان قبل الوصول الى اى تفاهم سياسى محتمل بين واشنطن وطهران» وذلك فى ربطه للتصعيد الحالى بالتطورات الاقليمية.
اشار داوود الى ان المرحلة المقبلة قد تشهد «عمليات قضم جغرافي محدودة ولكن دائمة». موضحا ان خطورة هذا النوع من العمليات تكمن فى خلق ظروف تجعل اعادة الاعمار وعودة السكان اكثر صعوبة.
كما اشار الى «احتمال توسيع الاغتيالات النوعية داخل العمق اللبنانى او تكرار العمليات الخاصة خلف الخطوط وتوسيع السيطرة النارية».
راى داوود ان «اسرائيل تتحرك وفق ثلاثة اهداف رئيسية: انشاء منطقة عازلة وفصل الجنوب عن العمق اللوجستي لـ(حزب الله) عبر استهداف الطرق ومحاور الربط وفرض واقع ميدانى جديد يتجاوز قواعد الاشتباك السابقة والخوف يكمن فى ان يتحول هذا المسار الى واقع طويل الامد».







