ليبيا تشديد الاجراءات لمكافحة التهرب الضريبي
تلوح السلطات في غرب ليبيا بتصعيد اجراءاتها ضد التهرب الضريبي عبر اعداد قائمة سوداء للمخالفين وانشاء جهاز جديد باسم الشرطة الضريبية في خطوة تعكس تشددا رسميا متزايدا تجاه ظاهرة تقول الحكومة انها تستنزف موارد الدولة وتحد من قدرتها على تعزيز الايرادات غير النفطية.
ياتي هذا التوجه في وقت يرى فيه متابعون للشان الاقتصادي ان الاجراءات العقابية رغم اهميتها لن تكون كافية بمفردها لمعالجة الظاهرة في ظل بيئة ادارية وسياسية معقدة تتطلب اصلاحات اوسع تشمل توحيد المؤسسات وتعزيز الشفافية وتطوير المنظومة الضريبية والحد من البيروقراطية بما يرفع كفاءة التحصيل ويقلص فرص التهرب في بلد يعيش انقساما سياسيا وامنيا منذ اكثر من عقد.
في هذا السياق بين رئيس مصلحة الضرائب في غرب البلاد محمد ادريس مؤخرا التوجه لاعداد قائمة تضم الافراد والشركات المتهربة من سداد الالتزامات الضريبية مع تشديد الاجراءات القانونية بحق المخالفين موضحا في تصريحات محلية ان الهدف هو تعزيز الامتثال الضريبي وحماية المال العام كما كشف عن انشاء جهاز الشرطة الضريبية لمنح السلطات ادوات ضبطية واجرائية اوسع في مواجهة التهرب.
وسبق ان ذهب تقرير برلماني سابق صدر عن مجلس النواب في الاتجاه ذاته اذ دعا من ضمن توصياته بشان الموازنة العامة للبلاد العام الماضي الى تشديد الرقابة على التهرب الضريبي والجمركي وتفعيل العقوبات الرادعة لكن الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري اوضح ان القوائم السوداء والعقوبات الاخرى رغم وجاهتها النظرية تصطدم بواقع معقد يتداخل فيه الفساد مع ضعف مؤسسات الدولة ما يجعل مواجهة التهرب الضريبي والجمركي اكثر صعوبة.
يضرب الفيتوري مثلا على هذه الصعوبات بالانتشار الواسع للفواتير المزورة والاقرارات المالية الوهمية التي تحتاج الى جهد جبار في تتبعها لا يتلاءم مع الاوضاع الراهنة في البلاد وفق رؤيته التي تحدث بها.
يتسق هذا التقييم مع مؤشرات الفساد التي تضع ليبيا في مراتب متاخرة عالميا اذ تراجعت الى المرتبة 177 من اصل 182 دولة في 2025 مقارنة بالمرتبة 173 من اصل 180 في 2024 وفق تقارير دولية ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالنزاهة الادارية.
اضاف الفيتوري وهو استاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي ان الانقسام السياسي بين حكومتين متنافستين يفاقم صعوبة فرض اي اجراءات رقابية او عقابية في ظل غياب سلطة موحدة قادرة على التنفيذ والمتابعة علما انه توجد مصلحتان للضرائب احداهما يترأسها ادريس في غرب البلاد والاخرى يترأسها سراج الشلماني شرقا.
وفقا لاخر تقرير صادر عن ديوان المحاسبة الليبي فقد رصد عدم التزام عدد من المصارف التجارية وفروعها في المنطقتين الشرقية والجنوبية بتحويل الايرادات الضريبية المحصلة الى حساب الايرادات العامة للدولة لدى مصرف ليبيا المركزي ما يعكس استمرار ثغرات في منظومة التحصيل المالي.
رغم هذا الواقع تشير بيانات رسمية الى ان الايرادات الضريبية في ليبيا ارتفعت الى نحو 4 مليارات دينار خلال عام 2025 مقارنة بـ2.5 مليار دينار في 2024 غير ان هذه الزيادة تبقى محدودة امام هيمنة العائدات النفطية التي تشكل اكثر من 85 في المائة من اجمالي ايرادات الدولة بما يعادل 116.8 مليار دينار في العام الماضي في حين تظل مساهمة الضرائب محدودة للغاية عند نحو 2.9 في المائة فقط.
تتوزع مصادر الجباية الضريبية في ليبيا بين ضرائب الدخل على الافراد وارباح الاعمال والغرامات اضافة الى رسوم الدمغة والعقارات.
منذ سنوات تتزايد التحذيرات الاكاديمية من اتساع الظاهرة في ظل تحديات بنيوية تواجه المنظومة الضريبية وخلص مؤتمر علمي نظمته جامعة سرت الى ان تعقيد النظام الضريبي وضعف الثقة بين المكلفين والادارة الضريبية من ابرز اسباب التهرب مشيرا الى دور الاقتصاد الموازي وضعف الثقافة الضريبية في تغذية الظاهرة.
كما خلصت دراسة اكاديمية اعدها استاذ القانون بجامعة طرابلس منصور الفيتوري حامد الى ان غياب العدالة الضريبية وضعف الضمانات القانونية للممولين يساهمان بشكل مباشر في تفشي التهرب.
تضيف الدراسة ان ضعف الثقة بين المكلفين والادارة الضريبية وتعقيد الاجراءات والاعتماد على سياسات تقليدية تشكل بيئة خصبة لاستمرار التهرب داعية الى تحديث التشريعات وتبسيط الاجراءات وتعزيز حقوق الممولين الى جانب تشديد الرقابة وتطبيق القانون.
هنا قال المحامي الليبي محمد بن دردف في تصريح ان التقديرات الجزافية التي تفرضها الجهات الضريبية على الممولين لا سيما العاملين في القطاع الخاص غالبا ما تتجاوز حجم مداخيلهم الفعلية الامر الذي يفاقم الاعباء المالية عليهم مشيرا الى ان هذه الممارسات تدفع كثيرين الى اللجوء للتهرب الضريبي باعتباره سلوكا عاما فرضته الضغوط الاقتصادية وغياب اليات التقدير العادلة محذرا من ان استمرار هذه السياسات قد يوسع فجوة الثقة بين المكلفين والادارة الضريبية.
يرى اكاديميون ومراقبون ان اي نجاح في تقليص التهرب الضريبي سيظل مرهونا بقدرة ليبيا على توحيد مؤسساتها وبناء نظام ضريبي اكثر كفاءة وعدالة في ظل الحاجة الى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
كما اوصى مؤتمر جامعة سرت العلمي بتسريع التحول الرقمي في التحصيل وتطوير الانظمة المحاسبية وتوسيع الدفع الالكتروني الى جانب تدريب الكوادر الضريبية وتعزيز حملات التوعية.
يخلص الفيتوري الى ان القوانين والمنظومة الضريبية المعمول بها في ليبيا لا تزال تستند الى تشريعات تعود الى عهد النظام السابق برئاسة معمر القذافي عادا ان ذلك يفرض الحاجة الى مراجعة شاملة للهيكل الضريبي بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية الراهنة في البلاد واوضح ان طبيعة الاعمال والانشطة الاقتصادية الى جانب شريحة الممولين الخاضعين للضرائب شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات الماضية الامر الذي يتطلب تحديث التشريعات الضريبية لتواكب الواقع الاقتصادي الجديد وتحقق قدرا اكبر من العدالة والكفاءة.
وفق تشريع ليبي صادر في عهد القذافي يعاقب المتهرب ضريبيا بغرامة لا تقل عن اربعة امثال قيمة الضريبة المستحقة في حين يلزم المتاخر عن السداد بدفع غرامة مالية تتراوح بين 500 دينار و10 الاف دينار ليبي بحسب مدة التاخير وحجم المخالفة.







