النبي الاشتراكي ...مؤسس اليسار الاجتماعي الحديث
راصد الإخباري -
د. محمد العزة - تمثل ذكرى مولد النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، فرصة سانحة لاستحضار منظومة القيم التي جاء بها و دعى لها لبناء المجتمع و الدولة ، وفي مقدمتها العدالة والتكافل و التضامن و صون كرامة الإنسان من ذكر او انثى وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات.
أمثلة و مظاهر عدة من السيرة النبوية شاهدة و دالة على أن النبي كان من أوائل مؤسسي نهج اليسار الاجتماعي أو ما يعرف اليوم بلغة العصر الاشتراكية الاجتماعية قبل ماركس و انجلز و لينين ، ومنها للذكر لا للحصر عندما آخى بين المهاجرين والأنصار في أولى قراراته عند تأسيسه الدولة في المدينة المنورة ، الاعلان أن الناس شركاء في ثلاث الماء و الكلأ و النار ، الدعوة إلى البناء و الانتاج و تفعيل الزكاة وضبط معايير و نظم العلاقات داخل أفراد المجتمع الواحد بما يضمن استقراره نسيجه و انسجامه ، بالإضافة إلى تطور نظم الرعاية الاجتماعية بعده في عهد الخلافة مع توسع رقعة الدولة حيث تم صرف المعونة للاطفال الرضع و أمهاتهم و ضعاف كبار السن و غيرها من التشريعات و السيرة غنية بها .
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى ما اصطلح على تسميته بـ "الاشتراكية الإسلامية " باعتباره مدخلا فكريا لفهم الكثير من القيم التي تلتقي معها فلسفة الديمقراطية الاجتماعية الأممية الحديثة، دون أن يعني ذلك القصد هو الخلط بين المرجعيات الدينية والفلسفات السياسية الحديثة، أو القول بتطابقهما.
فالإسلام لم يترك الفقر شأنا فرديا معزولا، ولم يجعل المال غاية في ذاته، بل أقام منظومة متكاملة من الزكاة والصدقة والتكافل والوقف وتحريم الاحتكار والاستغلال، وربط الملكية بالمسؤولية الاجتماعية، بما يحفظ للإنسان حقه في الحياة الكريمة ويمنع تحوّل الثروة إلى وسيلة لإهدار حقوق الآخرين.
ومن هنا، فإن إعادة بناء نموذج حزبي أو تيار حركي أردني يستند في فكره السياسي وبرامجه الاقتصادية والاجتماعية إلى فلسفة الديمقراطية الاجتماعية، يمكن أن تكون واحدة من المشاريع السياسية الرائدة التي تستحق الاجتهاد وبذل الجهود لتحويل برامجها من أفكار مكتوبة إلى واقع عملي يلمس المواطن أثره الإيجابي في حياته اليومية.
إن الديمقراطية الاجتماعية، في جوهرها الفكري لا تعني اقتصار ممارسة الديمقراطية عند صندوق الاقتراع، ولا تختزل الاقتصاد في مؤشرات النمو، و إنما تسعى إلى بناء علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع والسوق ، بحيث تكون الحرية السياسية مقرونة بالعدالة الاجتماعية، والنمو الاقتصادي مقرونا بتوزيع أكثر إنصافا للثروات و المساواة في توزيع الخدمات و إتاحة فرص التنافس ، والمواطنة قائمة على معادلة واضحة من الحقوق والواجبات.
وهنا تبرز أهمية الأغلبية الصامتة في المجتمع الأردني ، تلك الأغلبية التي لا تبحث بالضرورة عن ضوضاء السياسة و دهاليزها، بقدر ما تبحث عن حياة معيشية كريمة ، وفرصة عمل، وتعليم جيد، وخدمات عامة عادلة، وأمان اجتماعي، ومستوى من الرفاه يتناسب مع ما تقدمه من التزام بالواجبات من دفع ضرائب و مستحقات الى الدولة والمجتمع .
والحزب الذي يستطيع أن يحول هذه المطالب اليومية إلى برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي قابل للتنفيذ، ويمنح المواطن فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة القرار، سيكون أقرب إلى التعبير عن هذه الأغلبية من أي خطاب سياسي منفصل عن الواقع المعيشي للناس.
ولعل في السيرة النبوية و التجربة المبكرة في تأسيس أركان الدولة على أسس الاشتراكية الاجتماعية الإنتاجية ما يستحق التأمل من زاوية العدالة الاجتماعية والتكافل حيث منعت مظاهر الفروقات الطبقية الاقتصادية و تراكم الثروة في جانب، ليكون العجز والحاجة في الجانب الآخر.
ولعل ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي في حق النبي محمد اصدق ما يدل على عبقرية فكره السياسي الاجتماعي الاشتراكي :
الاشتراكيون أنت إمامهم
لولا دعاوى القوم والغلواء
جئت فوحدت الزكاة سبيله
حتى حوى قابل الكرماءِ والبخلاءِ
أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى
فالكل في حق الحياة سواء
ولعل الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو اطلع على هذه السيرة عندما قال مقولته الشهيرة :
الوطن هو المكان الذي لا يبلغ فيه مواطن من الثراء ما يجعله قادراً على شراء مواطن آخر، ولا يبلغ فيه مواطن من الفقر ما يجعله مضطراً لأن يبيع نفسه أو كرامته
إن استحضار هذه المعاني اليوم لا يعني استيراد تجربة حزبية أو اقتصادية جاهزة من الخارج، وإنما يعني البحث عن صيغة أردنية وطنية تستفيد من التجارب الإنسانية، وتستند في الوقت ذاته إلى قيم المجتمع وثقافته وتاريخه، وتضع الإنسان الأردني في مركز العملية السياسية والاقتصادية.
فالمطلوب ليس مجرد حزب جديد يضاف إلى قائمة الأحزاب، وإنما مشروع سياسي اجتماعي قادر على إنتاج حلول واقعية لمشكلات الاقتصاد والعمل والفقر والخدمات والعدالة وتوزيع الفرص، وأن يجعل من الديمقراطية وسيلة لتمكين المواطن، ومن الاقتصاد أداة لخدمة المجتمع، ومن الدولة شريكا عادلا في التنمية.
ما تقدم أعلاه هو رسالة للمجتمع الاردني لفهم ما تدعو له فلسفة الديمقراطية الاجتماعية فهما وطنيا ، باعتبارها فرصة متاحة للحركة داخل مساحة كبيرة للاجتهاد السياسي والاقتصادي في بناء دولة المواطنة الفاعلة و المؤسسات ، التي يتساوى أبناؤها في الحقوق ، ويتحملون فيها واجباتهم، ويشتركون جميعا في صناعة مستقبل وطنهم.







