المرأة… حين تتحول القوة إلى أثر
راصد الإخباري -
الأديبة سوسن الشوملي - ليست المرأة مجرد نصف المجتمع كما اعتدنا أن نقول، بل هي شريكة أساسية في صناعة الإنسان، وبناء الأسرة، وتشكيل الوعي، وصناعة المستقبل. فهي الأم التي تزرع القيم، والمربية التي تصنع الأجيال، والمرأة العاملة التي تثبت حضورها في ميادين العطاء، والقيادية التي تحمل مسؤولية القرار، والمبدعة التي تحوّل أفكارها إلى إنجازات تترك أثرًا في المجتمع.
وحين نحتفي بالمرأة، فإننا لا نحتفي بصورة نمطية أو بدور واحد، بل نحتفي بإنسانة استطاعت عبر الزمن أن تواجه التحديات، وتنهض بعد العثرات، وتحافظ على قدرتها على العطاء مهما كانت الظروف.
فالمرأة القوية ليست تلك التي لا تتعب، وإنما تلك التي تتعب ثم تواصل الطريق. وليست التي لم تعرف الانكسار، بل التي عرفت كيف تحول انكسارها إلى قوة، وألمها إلى حكمة، وتجربتها إلى نور يهدي الآخرين.
من رحم المرأة يبدأ بناء الإنسان
قبل أن يصبح الإنسان عالمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو معلّمًا أو قائدًا، يكون طفلًا يتعلم أولى كلماته وقيمه ومفاهيمه داخل أسرته.
وهنا يظهر الدور العظيم للمرأة في صناعة الإنسان.
فالأم لا تربي أبناءها بالكلمات فقط، وإنما بسلوكها وصبرها وطريقة تعاملها مع الحياة. وهي حين تزرع في أبنائها احترام الآخر، وحب العلم، والثقة بالنفس، والانتماء للوطن، وتحمل المسؤولية، فإنها تساهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة المستقبل.
ومن هنا فإن الاستثمار في المرأة ليس امتيازًا يمنح لها، بل هو استثمار في الأسرة والمجتمع والوطن.
المرأة من العطاء إلى صناعة القرار
لقد تجاوز حضور المرأة اليوم حدود الأدوار التقليدية، وأصبحت شريكًا فاعلًا في مختلف المجالات.
نراها في الجامعات ومؤسسات العمل، وفي ريادة الأعمال، والثقافة والإعلام، والعلوم، والعمل التطوعي والمجتمعي، وفي مواقع القيادة وصناعة القرار.
وهذا التحول لا يعني أن المرأة تخلت عن دورها الأسري، وإنما يعني أنها أصبحت أكثر قدرة على الجمع بين مسؤولياتها المختلفة، وفق ظروفها وإمكاناتها واختياراتها.
لكن التمكين الحقيقي للمرأة لا يجب أن يبقى مجرد شعارات تُقال في المناسبات؛ فالتمكين هو أن تحصل المرأة على المعرفة والفرصة والمساحة التي تمكنها من تحويل قدراتها إلى إنجاز حقيقي.
حين تساند المرأة امرأة
من أجمل صور القوة النسائية أن تمد امرأة يدها لامرأة أخرى.
فحين تشجع امرأةٌ زميلتها، أو تفتح أمامها بابًا، أو تدعم مشروعها، أو تمنحها كلمة ثقة في لحظة تردد، فإنها لا تصنع نجاحًا فرديًا فقط، وإنما تساهم في بناء مجتمع أكثر تعاونًا وتكاملًا.
إن المرأة التي تؤمن بقدرات النساء من حولها لا تخسر شيئًا من نجاحها؛ بل توسع دائرة النجاح.
ولهذا نحن بحاجة إلى ثقافة تقوم على المساندة بدل المنافسة السلبية، وعلى التكامل بدل الإقصاء، وعلى تبادل الخبرات بدل احتكارها.
لا نحتاج إلى يوم واحد لنقول شكرًا للمرأة
من الجميل أن يكون للمرأة يوم عالمي تُسلَّط فيه الأضواء على إنجازاتها وقضاياها، لكن الأجمل أن يتحول هذا التقدير إلى ممارسة يومية.
فالمرأة لا تحتاج إلى كلمات جميلة فقط، بل تحتاج إلى بيئة تحترم إنسانيتها، وتقدر عملها، وتدعم طموحها، وتمنحها فرصة عادلة للتعلم والإبداع والمشاركة.
والتكريم الحقيقي لا يكون بدرع أو شهادة أو منشور تهنئة فقط، وإنما بأن نؤمن بأن المرأة قادرة، وأن نمنحها المساحة التي تستحقها، وأن نحتفي بإنجازها كما نحتفي بإنجاز أي إنسان.
رسالة إلى كل امرأة
إلى كل امرأة بدأت من الصفر… لا تخجلي من بدايتك.
إلى كل امرأة تعثرت… لا تجعلي عثرتك تعريفًا لكِ.
إلى كل أم سهرت وتعبت ولم يرَ أحد تعبها… أنتِ تصنعين أثرًا قد يبقى بعدكِ سنوات طويلة.
إلى كل امرأة تحمل حلمًا مؤجلًا… ربما يكون الوقت قد حان لتمنحي حلمكِ فرصة.
وإلى كل امرأة تساعد امرأة أخرى على الوقوف… شكرًا لكِ، لأنكِ تثبتين أن النجاح يصبح أجمل حين نأخذ الآخرين معنا إلى القمة.
المرأة ليست نصف الحكاية
إن المجتمعات لا تتقدم عندما تُقصي طاقة من طاقاتها، وإنما حين تفتح المجال لكل فرد قادر على الإسهام في البناء.
والمرأة بما تمتلكه من علم وخبرة وإبداع وقدرة على العطاء، تمثل طاقة وطنية وإنسانية لا يمكن تجاهلها.
لذلك، فإن الحديث عن المرأة ليس حديثًا عن جنس أو فئة، بل هو حديث عن الإنسان، وعن الأسرة، وعن التربية، وعن التنمية، وعن المستقبل.
فالمرأة التي تصنع إنسانًا واعيًا، تصنع أسرة أكثر تماسكًا.
والأسرة المتماسكة تصنع مجتمعًا أكثر استقرارًا.
والمجتمع الواعي يصنع وطنًا أكثر قدرة على التقدم.
وفي النهاية…
المرأة ليست مجرد نصف الحكاية، بل هي شريكة في كتابة تفاصيلها.
هي اليد التي تربت، والعقل الذي يخطط، والقلب الذي يحتضن، والروح التي تمنح الأمل، والإرادة التي تقول في وجه الصعوبات: سأواصل الطريق.
فلنحتفِ بالمرأة لا في يوم واحد، بل في كل يوم تصنع فيه فرقًا، وتزرع فيه قيمة، وتبني فيه إنسانًا، وتترك فيه أثرًا جميلًا.
فالمرأة حين تؤمن بنفسها لا تصنع نجاحها وحدها… بل تفتح الطريق أمام أجيال كاملة كي تؤمن بأنها قادرة أيضًا.







