خطاب العرش… رسائل حاسمة، فهل من مُجيب ؟

{title}
راصد الإخباري -




كتب عدي ابو مرخية
لم يكن افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا مجرد مناسبة يلقي فيها جلالة الملك خطاب العرش السامي، ثم يبدأ مجلس النواب باستكمال استحقاقاته الدستورية وانتخاب مكتبه الدائم. بل كان خطابًا حمل رسائل سياسية ووطنية واقتصادية، وفتح ملفات تمسّ حاضر الأردنيين ومستقبلهم.

منذ البداية، استحضر جلالة الملك حادثة الكرك، ووجّه رسالة واضحة بأن أمن الأردن ووحدته خط أحمر، وأن الإرهاب وأصحابه لا مكان لهم بين الأردنيين. كما دعا إلى دقيقة صمت على أرواح الشهداء، في تأكيد على أن دماءهم ليست حدثًا يُطوى مع مرور الوقت، بل أمانة ومسؤولية وطنية.

ولعل الرسالة الأبرز في هذا السياق أن الأردن، رغم ما يواجهه من تحديات، يستمد قوته من تماسك شعبه، ومن جيشه العربي وأجهزته الأمنية، الذين يشكلون سياجًا منيعًا يحمي الوطن. وهي رسالة تتجاوز الكلمات إلى حقيقة راسخة مفادها أن قوة الدولة لا تقوم على مؤسساتها وحدها، بل على ثقة مواطنيها وتماسكهم.

فلسطين… ثابت لا يتغير

وفي الشأن الإقليمي، أعاد الملك التأكيد على الموقف الأردني الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مشددًا على أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون تلبية حقوق الشعب الفلسطيني.

وهنا لا يمكن فصل الموقف الأردني عن التحذير من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والقدس والضفة الغربية، وما تمثله الأطماع التوسعية من تهديد لأمن المنطقة واستقرارها.

كانت الرسالة واضحة: الأردن لن يتخلى عن عروبته ولا عن قضايا أمته، ولن يساوم على مبادئه مهما اشتدت الظروف.

مجلس النواب… مسؤولية تتجاوز القبة

أما الرسائل الموجهة إلى مجلس الأمة، فقد حملت النواب مسؤولية تتجاوز التشريع والرقابة وانتخاب المكتب الدائم. فالملك يريد مجلسًا يكون صوتًا للوطن، وحارسًا للمصلحة العامة، ورقيبًا على الحكومة.

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة؛ فالأردنيون لا ينظرون إلى ما يصدر عن قبة البرلمان من قوانين فقط، بل يتابعون أيضًا سلوك ممثليهم وخطابهم، ومدى انعكاس أدائهم على حياتهم اليومية.

فالاختلاف في الرأي، كما أشار الملك، قوة عندما تكون مصلحة الأردن هي الغاية، أما المسؤولية الحقيقية فتظهر في القدرة على تحويل هذا الاختلاف إلى عمل يخدم الوطن والمواطن.

الاقتصاد والمياه… من الخطاب إلى التنفيذ

وفي الجانب الاقتصادي، جاءت الدعوة إلى تسريع إنجاز مشاريع التحديث الاقتصادي، بما يرفد الاقتصاد الوطني ويترجم الخطط إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.

لكن الملف الذي حمل أولوية واضحة كان الأمن المائي؛ فالمياه ليست مجرد قطاع خدمي، بل قضية وطنية تمس حياة الأردنيين واستقرارهم. ولذلك جاءت التوجيهات بمواصلة مشاريع الأمن المائي ووضع الخطط الاستباقية، في تأكيد على أن هذا الملف لا يحتمل التأجيل أو المساومة.

كما حمل الخطاب رسالة مباشرة بشأن الوظيفة العامة، مفادها أن المنصب مسؤولية وخدمة، وليس امتيازًا يعفي صاحبه من العمل أو خدمة الناس، وأن القانون لا يعرف اسمًا ولا منصبًا ولا نفوذًا.

رسائل الملك… والاختبار يبدأ بعد الخطاب

ربما كان من أكثر ما يستحق التوقف عنده تأكيد الملك أن التداول في الشأن العام حق يحميه الدستور، وأن صدر الوطن رحب أمام كل خطاب مسؤول.

هذه الرسالة تضع المسؤولية أمام الجميع؛ فالنقد المسؤول ليس تهديدًا للدولة، بل جزء من الحياة العامة، كما أن الاستماع للمواطن واحترام حقه في التعبير يعززان الثقة بينه وبين مؤسسات الدولة.

في المحصلة، حمل خطاب العرش رسائل متعددة، من الأمن الوطني إلى فلسطين، ومن مسؤولية مجلس النواب إلى الاقتصاد والمياه، وصولًا إلى النزاهة في الوظيفة العامة وحق الأردنيين في التعبير.

لكن الأهم أن الخطابات لا تُقاس بما تحمله من عبارات فقط، بل بما يتحقق بعدها من عمل وإنجاز. فالحكومة أمام مسؤولية التنفيذ، ومجلس النواب أمام مسؤولية الرقابة والتشريع، والمسؤول أمام واجب خدمة الناس.

أما الأردنيون، الذين وصفهم الملك بأهله وعشيرته وسنده، فينتظرون أن تتحول هذه الرسائل إلى واقع يلمسونه في حياتهم.

سيبقى الأردن عزيزًا آمنًا بقيادته وشعبه ومؤسساته، لكن الحفاظ على هذه المكانة مسؤولية تتجدد بالعمل والإنجاز والثقة.