اقالة الجنرال حسان تثير تساؤلات حول الامن الداخلي في الجزائر
لم يكن قرار ابعاد مدير الامن الداخلي الجزائري اللواء عبد القادر ايت وعرابي الذي اعلن عنه الخميس مفاجئا للاوساط السياسية والاعلامية فقد راجت اخبار في الايام الاخيرة نقلتها حسابات مجهولة بمواقع التواصل الاجتماعي تفيد بان الرجل لم يعد على توافق مع القيادتين السياسية والعسكرية من دون ان تتضح الاسباب.
اشرف الفريق اول السعيد شنقريحة الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع ورئيس اركان الجيش على التنصيب الرسمي للواء منير زاهي مديرا عاما للامن الداخلي بمقر وزارة الدفاع خلفا للواء عبد القادر ايت وعرابي لتستمر بذلك حركة التغييرات المتتالية على راس المديرية العامة للامن الداخلي فمنذ 2019 عرف هذا الجهاز الامني الحساس تعاقب 6 قادة على رئاسته وهي وتيرة تجديد لم تكن معتادة من قبل وقد غذت القراءات والتحليلات بشان وجود حالة من عدم الاستقرار المستمر داخل الجهاز الامني.
بعد اقل من عام على تعيينه غادر اللواء عبد القادر ايت وعرابي المعروف بالجنرال حسان رئاسة الامن الداخلي في اجواء سادها التكتم ورغم الصبغة الادارية للقرار فان خلفياته انقسمت بين روايتين الاولى تلوح بانسحابه طوعا لنائبه والاخرى ترجح اقالته بسبب خلافات استراتيجية مع القيادة العسكرية بشان ادارة ملفات حساسة وقد خلفه في المنصب الجنرال منير زاهي المتحدر من صفوف المديرية نفسها.
يثير الرحيل المبكر لايت وعرابي تساؤلات جوهرية طرحت بنفس الحدة لدى تعيينه على راس الجهاز الامني في يوليو فقد كان غادر توا السجن العسكري حيث قضى 5 سنوات بناء على تهمتي مخالفة التعليمات العسكرية واتلاف وثائق عسكرية ذات طابع استراتيجي وعد تعيينه انذاك مؤشرا على رغبة القيادة في استعادة السيطرة وارساء الاستقرار في هذا القطاع الاستراتيجي الا ان مغادرته الخاطفة بعد اشهر معدودة من الممارسة تشكل قطيعة مع التقاليد المعهودة في تداول السلطة داخل مفاصل الدولة العليا وتسلط الضوء على طبيعة التفاعلات والديناميكيات الداخلية التي يعيشها الجهاز الامني.
تاتي هذه الخطوة لتكمل مشهدا بدا بانهاء مهام سلفه الجنرال عبد القادر حداد المعروف بناصر الجن والذي غادر هو الاخر قيادة المديرية في ظروف وصفت بالمضطربة وبعد حركية عملياتية مكثفة وهو حاليا رهن الحبس الاحتياطي بالسجن العسكري من دون ان تعرف التهمة او التهم الموجهة له.
ويشير هذا التتابع السريع لرئيسين على راس الامن الداخلي في حيز زمني وجيز في تقدير مراقبين الى مراجعات في العقيدة الامنية او تحكيمات استراتيجية حاسمة على اعلى مستويات القرار.
ويندرج التغيير الاخير حسب نفس المراقبين في سياق حالة عدم الاستقرار الاداري التي تلازم المديرية العامة للامن الداخلي منذ التحول السياسي الذي شهدته البلاد عام 2019 برحيل الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم تحت ضغط الحراك الشعبي.
فخلال السنوات السبع الماضية تعاقب على رئاسة هذا الهيكل الحساس عدد غير مالوف من القادة ما يشكل قطيعة واضحة مع مرحلة الولايات الطويلة التي كانت سائدة في السابق خصوصا مع الفريق محمد مدين الذي بقي على راس الامن الداخلي لمدة 25 سنة وسجن هو الاخر في سياق الانفجار الشعبي ضد بوتفليقة اذ اعتقله رئيس اركان الجيش الراحل احمد قايد صالح هو وخليفته الجنرال بشير طرطاق ووجهت لهما تهمة التامر على سلطة الدولة والجيش.
هذا المخاض المتسارع داخل جهاز مكلف بملفات سيادية حارقة مثل مكافحة التجسس وحماية امن الدولة ومواجهة المخاطر العابرة للحدود يترجم حسب المتابعين للشان السياسي عمق التحديات الراهنة كما يعكس هذا التغيير في نظرهم ان الامن الداخلي يمر بمرحلة اعادة تموضع للبحث عن استقرار قيادي وهي معادلة صعبة تفرضها ضرورة عصرنة اليات التحقيق والتصدي للحروب السيبرانية والهجينة فضلا عن المناورة وسط محيط اقليمي شديد التعقيد والاضطراب.
اول من دفع ثمن انعدام الاستقرار في هذا الجهاز هو العميد واسيني بوعزة الذي عين على راس المديرية العامة للامن الداخلي في ابريل 2019 واستمر في منصبه حتى اقيل في ابريل 2020 وتوبع قضائيا وصدرت بحقه احكام بالسجن وجردته القيادة العسكرية من رتبته السامية ثم جاء بعده اللواء عبد الغني راشدي في ابريل 2020 واستمر في منصبه حتى صيف 2022.
وتعاقب بعد هذه الفترة على رئاسة الجهاز كل من اللواء جمال كحال مجذوب ثم اللواء عبد القادر حداد ليعقبه اللواء عبد القادر ايت وعرابي وصولا الى التعيين الاخير للجنرال منير زاهي.
ووفق مصادر مطلعة فقد جاء اختيار القائد الجديد للامن الداخلي ليعكس رغبة واضحة في الحفاظ على الاستمرارية والاعتماد على الكفاءات الفنية فالجنرال منير زاهي يعد ابنا شرعيا للمؤسسة الاستخباراتية والامن العسكري اذ تدرج في الرتب العملياتية عبر مختلف المديريات الفرعية وهو ما اتاح له قبضة محكمة على ادق ملفات الامن الوطني.
ولا تقتصر مؤهلاته على العمل الميداني حسب ذات المصادر بل تمتد الى الساحة الدولية من خلال اشرافه على ملفات تعاون استراتيجي وحوارات امنية وعسكرية رفيعة المستوى مع شركاء غربيين وازنين كالولايات المتحدة ومن شان تعيين هذا الضابط السامي الموصوف بالصرامة والتكتم وببروفايله التكنوقراطي ان يحقق تطلعات القيادة العليا في تامين انتقال داخلي هادئ يضمن استقرار الجهاز ويحول دون حدوث اي شرخ في منظومة العمل السيادي بحسب ما تتوقعه المصادر نفسها.







