الاقتصاد الفرنسي في مهب الريح.. ديون متفاقمة وحلقة مفرغة من عدم اليقين
يواجه الاقتصاد الفرنسي مرحلة من الهشاشة المتزايدة في ظل تحول المخاوف المرتبطة بضبط المالية العامة من أزمة سياسية إلى عائق مباشر يكبل الاستثمار والاستهلاك والنمو. وباتت البلاد في أمس الحاجة إلى دفعة اقتصادية قوية للحد من تسارع وتيرة الديون التي تثقل كاهلها.
وأظهرت تقارير اقتصادية أن فرنسا نجت بصعوبة من الركود خلال الربع الثاني، حيث تراجع النشاط تحت وطأة موجات الحر التي أثرت سلبا على الإنتاج الزراعي، بالإضافة إلى تبعات صدمة أسعار الطاقة الناتجة عن التوترات الجيوسياسية في إيران. وتعد الضبابية السياسية والمالية المحرك الأساسي لهذه الأزمة، حيث أدت ردود الفعل السلبية تجاه مشروع الموازنة إلى ارتفاع عوائد السندات الفرنسية لمستويات تذكر بأزمات الديون السابقة، مما عزز مخاوف المستثمرين من بقاء البلاد حبيسة دوامة الدين.
وبين الخبير الاقتصادي هولغر شميدينغ أن تراكم المشكلات عبر السنوات تفاقم منذ دعوة الرئيس ايمانويل ماكرون لانتخابات برلمانية مبكرة، مما أفرز مشهدا سياسيا منقسما جعل تمرير الموازنات والإصلاحات أمرا بالغ الصعوبة. وأشار إلى أن هناك انقلابا في الأدوار داخل أوروبا، حيث بدأت ألمانيا في استعادة زخمها الاقتصادي بفضل زيادة الإنفاق الحكومي وانتعاش الصناعة، في وقت فقدت فيه فرنسا قوتها التنافسية.
وكشفت بيانات المعهد الوطني للاحصاء أن استثمار الشركات ظل في حالة ركود شبه تام منذ العام الماضي، وسط توجه عام لدى الشركات بانتهاج سياسة الانتظار والترقب. وأظهرت مسوحات ميدانية أن نسبة كبيرة من الشركات الفرنسية تعبر عن تشاؤمها حيال السياسات الاقتصادية المقبلة، مع تحذيرات من خطر الإفلاس في حال غياب تغييرات هيكلية ملموسة.
وأوضح تقرير اقتصادي أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد تحولت إلى حلقة تغذية راجعة سلبية، حيث يفاقم عدم اليقين من ضعف النمو، مما يجعل من الصعب حشد التأييد للإصلاحات الضرورية. ووصل الدين العام الفرنسي إلى مستويات قياسية تناهز 119% من الناتج المحلي الاجمالي، وهو ما يضع الحكومة أمام خيارات قاسية بين ضبط المالية العامة الذي قد يضغط على الاقتصاد المنهك، أو تأجيل المعالجة بما يضمن استمرار تراكم الديون.
وأضاف المحللون أن الانتخابات الرئاسية المقبلة لا تضمن بالضرورة نهاية هذه الأزمة، إذ قد يستمر الانقسام السياسي مما يدفع الحكومات القادمة لتأجيل الحلول الجذرية. ورغم رصد بعض المؤشرات الإيجابية المتمثلة في عودة مؤشر مديري المشتريات إلى نطاق النمو وتحسن ثقة الشركات نسبيا، إلا أن الخبراء يؤكدون أن هذه العوامل تظل محدودة الأثر طالما بقيت جذور عدم اليقين السياسي قائمة.







